السبت، 22 أبريل، 2017

هل كان بعض خواصُّ الإمام الصادق عليه السلام يجهلون إمامة الإمام الكاظم عليه السلام؟!


هل كان بعض خواصُّ الإمام الصادق عليه السلام يجهلون إمامة الإمام الكاظم عليه السلام؟!

                                                                                بقلم علي بن سلمان العجمي

روى الشيخ الكليني رحمه الله ([1]) والمفيد رحمه الله ([2]) والكشّي رحمهُ الله([3]) روايةً قد يُفهم من ظاهرها أنّ بعض خواصّ الإمام الصادق عليه السلام قد وقعوا في الحيرة بعد شهادة الإمام الصادق عليه السلام، وملخّصها أن هشام بن سالم وصاحب الطاق قد تبادر لهما أنّ الإمامة لعبدالله الأفطح بن الإمام الصادق عليه السلام، فدخلا عليه والناسُ عندهُ مجتمعون وسألاه عن الزكاة، فأجابهما بجوابٍ جعلهما مرتابين في أمره، فخرجا ضلالاً لا يهتديان إلى أين يتوجهان، حتّى وقفا ف أزقة المدينة باكيان، فجاءهما شيخٌ يدعوهما
إلى بيت الإمام الكاظم عليه السلام فلحقه هشامُ بن سالم وهنالك تيسّر لهُ معرفة إمام زمانه وخرج من عنده ليخبر هشامُ بن سالم مؤمنَ الطاق بأمر الكاظم عليه السلام، فانكشف ما كان بهما، وهكذا زالت عنهما الريبة، وبدأ تتابعُ الشيعة على الإمام (ع) والقطع بإمامته.

وتشطحُ ببعضهم الأفكار ليتصوّر أنّ الإمام الصادق عليه السلام قد قصّر في توجيه الشيعة إلى إمامة الإمام الكاظم عليه السلام ما أوقعهم في الحيرة، أو أنّ أمر الإمامة ليس من الضرورريات التي وجّه الدينُ إليها. وقد تورثُ هذه القراءة المجزئة والمنفردة لظاهر الرواية تشويشاً ما لم تُضم إلى غيرها من النصوص التي تشرح تفاصيل المشهد يومئذٍ، ومن باب تسليط الضوء على ذلك المشهد، فإننا نسوق بعض المقدّمات التي تعيننا في فهم الحادثة وما شابهها بشكلٍ أنضج:

المقدّمة الأولى: أنّ الأئمة عليهم السلام قد وضعوا قاعدةً عامّة في معرفة حجج الله عليهم السلام، كالنصّ على العين، والعلم، ووجود مواريث الأنبياء عليهم السلام لديهم، وسلاحُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم والصحيفة والجامعة، والجفر ومصحف فاطمة (عليها السلام) وقدرتهُ على الإتيان بالمعجزة، ويمكنُ الوقوف على بعضها مما أورده ثقة الإسلام الكليني في الجزء الأول من الكافي الشريف، باب الأمور التي توجبُ حجّة الإمام (ع)([4])، ومن الأمور اللافتة أنّ هشام بن سالم –صاحب القصّة وراويها- ينقلُ روايتان في هذا الباب، الأولى: ما جاء في الصحيح عنه: "عن أبي عبد الله عليه وآله قال: قيل له، بأي شئ يعرف الامام؟ قال: بالوصية الظاهرة وبالفضل، إن الإمام لا يستطيع أحد أن يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج، فيقال: كذاب ويأكل أموال الناس، وما أشبه هذا"([5])، والثانية ما جاء أيضاً عنه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "إنّ الأمر في الكبير ما لم تكن فيه عاهة".([6]) وقد هدف هذا الأمر إلى وضع قواعد عامّة يتيسّر للشيعة فيها معرفةَ الإمام المفترض الطاعة وكشف منتحلي الإمامة.

وإضافة إلى تلك الضوابط العامّة، فقد كان كلُّ إمامٍ سابق ينصّ على عين الإمام اللاحق، ولكن هذا النصّ الخاص لم يكن عامّا لكل الناس بل كان خاصّاً بجمعٍ من الخواص، وكانت أعدادُ من يسمعُ للنصّ على عين الإمام اللاحق تتأثر زيادةً ونقصاناً بحالة التقيّة التي كان الأئمة عليهم السلام يعيشونها سعةً وضيقاً، إلّا أن النص على العين بقي سمةً بارزةً في حياة كلّ إمام، فهذا الشيخ المفيد رحمه الله يُعدّدُ في كتابه الإرشاد جُملةً من الخواصّ الذين نصّ أمامهم الإمام الصادق عليه السلام على إمامة الإمام الكاظم عليه السلام من بعده فقال:  

"فممن روى صريح النص بالإمامة من أبي عبد الله الصادق عليه السلام على ابنه أبي الحسن موسى عليه السلام من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين - رضوان الله عليهم - المفضل بن عمر الجعفي، ومعاذ بن كثير، وعبد الرحمن بن الحجاج، والفيض بن المختار، ويعقوب السراج، وسليمان بن خالد، وصفوان الجمال، وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب، وقد روى ذلك من إخوته إسحاق وعلي ابنا جعفر وكانا من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه اثنان." ([7])

وعليه فقد كان خواص الأئمة عليهم السلام على علمٍ بالقواعد العامّة في معرفة الإمام، وكان لبعضهم إطلاعٌ على النصوص الخاصّة على كلّ إمام، سواء كان بالنصّ على أسمائهم جميعاً، أو بمجرد النصّ على الإمام اللاحق منهم، وعلى فرض أنّ بعضهم لم يكن يعرف اسم الإمام عليه السلام، فقد كان يتيسّر لهم إمتحان تلك الضوابط من خلال العلامات العامّة التي تحدد هويّة الإمام اللاحق للوصول إليه.

وكشاهدٍ على إمتحان تلك العلامات، ما نجده فيما رواهُ ابن شهراشوب في المناقب([8]) وما رواهُ ابن حمزة الطوسي في الثاقب في المناقب([9]) عن  أبي علي بن راشد قال:

"اجتمعت العصابة بنيسابور في أيام أبي عبد الله عليه السلام فتذاكروا ما هم فيه من الانتظار للفرج، وقالوا: نحن نحمل في كل سنة إلى مولانا ما يجب علينا، وقد كثرت الكاذبة، ومن يدعي هذا الامر، فينبغي لنا أن نختار رجلا ثقة نبعثه إلى الامام، ليتعرف لنا الامر، فاختاروا رجلا يعرف بأبي جعفر محمد بن إبراهيم النيسابوري ودفعوا إليه ما وجب عليهم في السنة من مال وثياب، وكانت الدنانير ثلاثين ألف دينار، والدراهم خمسين ألف درهم، والثياب ألفي شقة، وأثواب مقاربات ومرتفعات.

وجاءت عجوز من عجائز الشيعة الفاضلات اسمها (شطيطة) ومعها درهم صحيح، فيه درهم ودانقان، وشقه من غزلها، خام تساوي أربعة دراهم، وقالت ما يستحق علي في مالي غير هذا، فادفعه إلى مولاي، فقال: يا امرأة استحي من أبي عبد الله عليه السلام أن أحمل إليه درهما وشقة بطانة. فقالت: " ألا تفعل! إن الله لا يستحي من الحق، هذا الذي يستحق، فاحمل يا فلان فلئن ألقى الله عز وجل وما له قبلي حق قل أم كثر، أحب إلي من أن ألقاه وفي رقبتي لجعفر بن محمد حق، قال: فعوجت الدرهم، وطرحته في كيس، فيه أربعمائة درهم لرجل يعرف بخلف بن موسى اللؤلؤي، وطرحت الشقة في رزمة فيها ثلاثون ثوبا " لأخوين بلخيين يعرفان بابني نوح بن إسماعيل، وجاءت الشيعة بالجزء الذي فيه المسائل، وكان سبعين ورقة، وكل مسألة تحتها بياض، وقد أخذوا كل ورقتين فحزموها بحزائم ثلاثة، وختموا على كل حزام بخاتم، وقالوا: تحمل هذا الجزء  معك، وتمضي إلى الامام، فتدفع الجزء إليه، وتبيته عنده ليلة، وعد عليه وخذه منه، فإن وجدت الخاتم بحاله لم يكسر ولم يتشعب فاكسر منها ختمه وانظر الجواب، فإن أجاب ولم يكسر الخواتيم فهو الامام، فادفعه إليه وإلا فرد أموالنا علينا".


فواحدةٌ من العلامات التي كانت لدى الشيعة في نيسابور لتمييز الإمام المحق من المبطل، هي قدرته على الجواب دون كسر الخاتم، والتي تنظرُ إلى العلم الذي عند المعصوم عليه السلام، وهو نفس ما نجدهُ في فعل هشام بن سالم ومؤمن الطاق مع عبدالله بن جعفر، فإنّ إحدى الطرق التي إكتشفا بها زيف دعوة الأفطح هي عجزهُ عن الجواب، وهو أمرٌ لا يؤلفُ من الإمام المعصوم عليه السلام.  

ولئن خلُص البعض في قراءته ، إلى حيرة الخواصّ، والتي قد تكونُ طبيعيّة ومبررةً في جو الترهيب الذي كان يتهدد أهل البيت عليهم السلام، والتي إن ثبت فإنّها لم تطل، فسرعان ما ظهرت هويّة الإمام عليه السلام إلّأ أن هنالك قراءةً مقابلةً لهذه القراءة، ولها قرائنُ تعاضدها، تشيرُ إلى أنّ هشام بن سالم ومؤمن الطاق لم يكونا في حيرةٍ من أمرهما بل كانا يمتحنان عبدالله الأفطح ويبينان زيف دعواه، ويمكنُ الركون إلى القرائن التاليه لترجيح هذا الإحتمال:

أولاً:
أنّ هشام بن سالم هو أحدُ الرواة الذين رووا أحاديثاً في النصّ على الأئمة الإثنا عشر بأسمائهم، فقد نقل صاحبُ البحار عن كفاية الأثر، عن الحسين بن علي، عن هارون بن موسى، عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليه السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين، فقال له معاوية بن وهب: يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر الذي روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى ربه، على أي صورة رآه؟ ....
ثم قال عليه السلام: .... وأدنى معرفة الرسول الاقرار بنبوته وأن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك من الله عز وجل، وبعده معرفة الامام الذي به يأتم بنعته، وصفته واسمه في حال العسر واليسر وأدنى معرفة الامام أنه عدل النبي إلا درجة النبوة ووارثه وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله والتسليم له في كل أمر والرد إليه والاخذ بقوله ويعلم أن الامام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب وبعده الحسن، ثم الحسين،، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم أنا ثم بعدي موسى ابني وبعده علي ابنه، وبعد علي  محمد ابنه، وبعد محمد  علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن.". ([10])

ثانياً: أنّ  ظاهر النصّ يفيديُ أن كُلاً من هشام بن سالم ومؤمن الطاق رأيا إجتماع الناس على عبدالله الأفطح، فجاءا ليبيّنا عدم تحققّ علامات الإمامة فيه لكونه صاحبُ عاهة وعدم تحليّه بالعلم الذي أُلف في الإمام المعصوم، فسألاه أسئلةً بيّنت عدم تمكّنه من الإجابة، ما يعني أنّه كان مفتقراً للعلم، وهو أمرٌ لم يألفهُ الشيعة في الإمام، ويقوّي هذه القراءة أنهما قصداه: "والناس مجتمعون على أن عبدالله صاحب الامر بعد أبيه"، فأرادا إمتحانه بالسؤال، وذلك جليٌّ من الهدف الذي تحدّث عنه هشام بالقول:"فدخلنا نسأله عما كنا نسأل عنه أباه فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟"، فالمقامُ مقام إختبارٌ للأفطح بدليل أنهما سألاه سؤالاً من الأسئلة التي كانا يطرحانها على الإمام الصادق عليه السلام، وأوصلاهُ إلىحدٍّ يقولُ فيه "والله ما أدري ما تقول المرجئة" وأعقباه بخروجٍ يبيّن للناس أنّ من يعجز عن الجواب هو غير مؤهلٍ للإمامة.

ثالثاً:
جاء في رواية الشيخ الكليني رحمه الله والكشي رحمه الله إضافةً لم ترد في رواية الإرشاد للمفيد رحمه الله وهي قول هشام "وذلك أنهم رووا عن أبي عبدالله عليه السلام أن الامر في الكبير مالم يكن به عاهة"، قبل حديثهما مع الأفطح، وهي علامةٌ تكشف بوضوحٍ أن هشام بن سالم كان يرى أنّ أحد شروط الإمامة لم تجتمع في الأفطح([11]) وهي كونُ ذا عاهة، وفي قبالة ذلك فقد وجد هشام الأمر مختلفاً عند الإمام الكاظم عليه السلام فقد ابتدأهُ الإمام (ع) بالجواب عمّا كان في خلده، ووقف على غزارة علمه، بحيث قال هشام: "فسألته فاذا هو بحر"، ودخلهُ "شئ لا يعلمه إلا الله إعظاما له وهيبة"، فكان توّجهما للأفطح لتبيان عدم تحقق الأمر فيه، ويقوّي هذا الفهم أنّ هشام بن سالم قال في ذيل الرواية التي أوردها كلاً من الكليني والكشّي عن هشام بن سالم: "وكان كل من دخل عليه [أي الكاظم عليه السلام] قطع عليه، إلا طائفة مثل عمار وأصحابه، فبقي عبد الله [الأفطح]لا يدخلُ عليه أحدٌ إلا قليلا من الناس، قال: فلما رأى ذلك وسأل عن حال الناس، قال: فأخبر أن هشام بن سالم صدّ عنه الناس. قال
: فقال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني". فقد كان حِراك هشام لصدّ الناس عن عبدالله الأفطح وكشف أنّه منتحلٌ للإمامة ما دفع الأخير ليُقعدَ لهشام بن سالم مَنْ يضربه بالمدينة، بعد أن رأى إنحسار الناس عنه ([12]) وتوجههم للإمام الكاظم عليه السلام. كما أنّ العبارة التي خاطب بها هشامُ بن سالم الإمامَ الكاظم عليه السلام قد تشي بأنّه كان منزعجاً من إدّعاء عبدالله الأفطح:  "جعلت فداك، إن عبد الله يزعم أنه من بعد أبيه؟"

رابعاً: أن الشيخ الكليني رحمه الله عنون الرواية في باب ما يفصل فيه بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة، وكأنّه أراد أن يشير إلى أنّ هشام بن سالم ومؤمن الطاق بفعلهما قد فصلا بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة في زمن الإمام الكاظم عليه السلام.

خامساً: أنّ الإمام الصادق عليه السلام في وصيته أوصى إلى المنصور، ومحمد بن سليمان وعبدالله[الأفطح] و[الإمام] موسى [الكاظم] (ع) وحميدة، وجليٌّ أن الإمامة ما كانت لتكون بيد المنصور ولا واليه محمد بن سليمان ولا لحميدة رضي الله عنها، فبقي الترجيحُ منحصراً بين عبدالله الأفطح والإمام موسى الكاظم عليه السلام، فكان أي إستبعادٍ لأحدهما دالٌ على إمامة الآخر وهو ما وجّه له هشام بن سالم ومؤمن الطاق بصنيعهما، بل إنّ هذا الإنحصار كان عند الخواص كاشفاً عن الهويّة الحقيقية للإمام اللاحق، لأنّ الإمام الصادق عليه السلام وضع مع الإمام الكاظم عليه السلام إحتمالات لا يُتعقّل كونُ الإمامة في أحدهم، ويعاضدهُ ما رواه ابن شهراشوب  داود بن كثير الرقي قال: "أتى اعرابي إلى أبى حمزة الثمالي فسأله خبرا فقال: توفي جعفر الصادق فشهق شهقة وأغمي عليه، فلما افاق قال: هل أوصى إلى أحد؟ قال: نعم أوصى إلى ابنه عبد الله وموسى وأبى جعفر المنصور، فضحك أبو حمزة وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدي وبين لنا عن الكبير ودلنا على الصغير وأخفى عن أمر عظيم، فسئل عن قوله فقال: بيّن عيوب الكبير ودل على الصغير لإضافته إياه وكتم الوصية للمنصور لأنه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل أنت".([13])  

سادساً: نقل الشيخ المفيد رحمه الله في الإرشاد عن هشام بن سالم أسماء بعض من لقيهم بعد خروجه، فقال: "فخرجت من عنده ولقيت أبا جعفر الأحول، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: الهدى؟ وحدثته بالقصة. قال: ثم لقينا زرارة  وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وساءلاه وقطعا عليه، ثم لقينا الناس أفواجا.."، وجاء في هامش البحار المطبوع قديما نقلا عن العلامة المجلسي رحمه الله: "ذِكْرُ زرارة هنا غريبٌ، إذ غيبته في هذا الوقت عن المدينة معروفةٌ، والظاهر مكانه مفضل [بن عمر] كما مر [من الكشي] أو الفضيل كما في الكافي" انتهى كلامه رحمه الله.

فإن كان مَن لقيه هشام بن سالم بعد لقاء مؤمن الطاق هو زراة، فإنّ رواية الإمام الرضا عليه السلام كاشفةٌ عن كونه عارفاً بإمامة الإمام الكاظم عليه السلام ولكنّه يكتمُ أمره،  وإن كان الراوي هو المفضل بن عمر كما في نسخة الكشي، فإنّ المراجعة السريعة للكافي وكمال الدين في النصوص الدالّة على إمامة الإمام الكاظم عليه السلام، تُطلعنا على ثلاث روايات عن المفضل بن عمر ينقلُ فيهما نصّ الإمام الصادق عليه السلام على إمامة الكاظم عليه السلام:

الأولى: أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن موسى الصيقل، عن المفضل بن عمر قال: "كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل أبو إبراهيم عليه السلام وهو غلام، فقال: استوص به، وضع أمره عند من تثق به من أصحابك" ([14]).

الثانية: أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن عبد الله القلا، عن المفضل بن عمر قال: "ذكر أبو عبد الله عليه السلام أبا الحسن عليه السلام - وهو يومئذ غلام - فقال: هذا المولود الذي لم يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه، ثم قال لي: لا تجفوا إسماعيل"([15]).


الثالثة: حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن - أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن المفضل بن عمر قال: "دخلت على سيدي جعفر بن محمد عليهما السلام، فقلت: يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضل: الامام من بعدي ابني موسى والخلف المأمول المنتظر " م ح م د " ابن الحسن بن علي بن محمد علي بن موسى"([16]).

وعلاوةً على ذلك فقد وقعَ المفضل بن عمر في بعض طرق الروايات التي نصّت على أسماء جميع الأئمة عليهم السلام، وبذلك يظهر أن أحد الخواص الذين ورد اسمهم في الرواية –وهو المفضل بن عمر- كان على علمٍ بوجود النصّ على الإمام الكاظم عليه السلام، رغم أنّ الرواية أظهرته وكأنه لم يكن يعلم بالأمر إلّا بعد توجيه هشام بن سالم له.

وأمّا بالنسبة لأبي بصير، فيكفينا للقول بأنّه على علم بالنصّ على عَين الكاظم عليه السلام أنّهُ أحد رواة حديث اللوح عن الإمام الصادق عليه السلام، والذي نصّ على أسماء الأئمة (ع)، في الطريق الذي  أورده الكليني رحمه الله ([17]وما أوردهُ الصدوق رحمه الله([18]) وغيرهما.

وكيفما كان، فسواء ثبت أنّ الخواصّ كانوا على علمٍ بالإمام الكاظم عليه السلام أم لم يعلموا، فذلك لا يقدحُ في أهميّة الإمامة وعِظم خطرها، لما تقدّم أن الأئمة عليهم السلام قد وضعوا لشيعتهم علامات لا يمكن أن تنطبق على غير الإمام وقد قامت سيرة الشيعة على إمتحان هذه العلامات.

المقدّمة الثانية: أن الزمان الذي أعقب أواخر حياة الإمام الصادق عليه السلام وما بعد شهادته، كان زمان تقيّة وتضييقٍ شديدين على الشيعة، ويمكن استشراف هذا الأمر من خلال أربعة شواهد:

1-             توجيه الصادق عليه السلام في روايات النصّ على إمامة الكاظم عليه السلام بالكتمان الشديد للأمر: كما جاء عن المفضّل بن عمر: قال: "كنت عند أبي عبدالله [الصادق] عليه السلام فدخل أبو إبراهيم [الكاظم]عليه السلام وهو غلامٌ، فقال: استوص به، وضع أمره عند من تثق به من أصحابك" ([19] وما جاء عن فيض بن المختار في حديث طويل في أمر أبي الحسن [الكاظم]عليه السلام، حتى قال له أبوعبدالله عليه السلام: هو صاحبك الذي سألت عنه، فقم إليه فأقر له بحقه، فقمت حتى قبلت رأسه ويده ودعوت الله عزوجل له، فقال أبوعبدالله عليه السلام: "أما إنه لم يؤذن لنا في أول منك، قال: قلت: جعلت فداك فاخبر به أحدا؟ فقال: نعم أهلك وولدك، وكان معي أهلي وولدي ورفقائي وكان يونس بن ظبيان من رفقائي، فلما أخبرتهم حمدوا الله عزوجل"([20]).

2-              أنّ الحال التي ظهر بها هشام بن سالم ومؤمن الطاق عندما أشار لهما رسولُ الإمام تشي بمشهدٍ من مشاهد ذلك الجوّ الأمني الخانق، فهذا هشام بن سالم يقول في الرواية محلّ البحث: " فنحنُ كذلك إذ رأيت رجلا شيخا لا أعرفه يومي إلي بيده، فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتفق من شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت لأبي جعفر: تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحى غير بعيد."

3-              ما جاء في أن شياع أمر الكاظم عليه السلام يقودُ إلى ذبح الإمام: كمايقرأُ من رواية الكليني والمفيد والكشي عن هشام بن سالم عن الكاظم عليه السلام قال: "سل تخبر و لا تذع فان أذعت فهو الذبح ، فسألته فاذا هو بحر لا ينزف، قال : قلت : جعلت فداك شيعتك وشعية أبيك ضلال فألقي إليهم وأدعوهم إليك فقد أخذت علي بالكتمان؟، قال : من آنست منهم رشدا فألق إليه وخذ عليه الكتمان ، فان أذاعوا فهو الذبح وأشار بيده إلى حلقه".

4-              ما جاء في أمر أبي جعفرٍ المنصور بقتل من أوصى له الإمامُ الصادق عليه السلام، ما دفع الإمام الصادق عليه السلام لحماية هويّة الإمام التالي -وهو الكاظم عليه السلام- بالتوصية لخمسةٍ من بعده، كما جاء عن أبي أيوب النحوي قال: "بعث إلي أبوجعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثا - وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه، قال: فرجع إليه الجواب أنه قد أوصى إلى خمسة واحدهم أبوجعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبدالله وموسى وحميدة"([21])، وكذلك ما جاء عن النضر بن سويد قال أنه "أوصى إلى أبي جعفر المنصور وعبدالله وموسى ومحمد بن جعفر -مولى لأبي عبدالله عليه السلام- قال: فقال أبوجعفر: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل"([22]).



المقدّمة الثالثة: أن ما يظهر من خفاء أمر الإمامة عن بعض الخواص في بعض النصوص لا يكشف بالضرورة عن واقع الحال، فقد نسب البعض لزرارة بن أعين عدم معرفته بإمامة الإمام الكاظم عليه السلام، ولكنّ الإمام الرضا عليه السلام كشف زيف هذه الدعوى وأجلى غوامضها، فقد جاء في الصحيح عن إبراهيم بن محمد الهمداني - رضي الله عنه - قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك عليه السلام؟ فقال: نعم، فقلت له: فلم بعث ابنه عبيدا ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام؟ فقال: إن زرارة كان يعرف أمر أبي عليه السلام ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي عليه السلام هل يجوز له أن يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه وأنه لما أبطأ عنه ابنه طولب باظهار قوله في أبي عليه السلام فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد عليهما السلام"([23]).

بعد سوق هذه المقدّمات نقول:

1-              أن الظاهر الذي قد يُفهم من خلاله أن أمر الكاظم عليه السلام كان خافياً على بعض الخواص كهشام بن سالم ومؤمن الطاق وإن كان وجهاً محتملاً يمكنُ أن يقرأ في الرواية، إلّا أن هنالك إحتمالٌ آخرٌ معاضدٌ بالقرائن التي سقناها في المقدّمة الثانية تُرجّح أنّ هشام بن سالم ومؤمن الطاق كانا بصدد اختبار الأفطح وأن أمر الإمام عليه السلام كان معلوماً بالنسبة لهما.

2-              على فرض أن أمر الإمامة لم يكن ظاهراً لجمٍ غفيرٍ من الخواص، إلّا أن هذا الحال لم يستمر طويلاً بل تبدّد سريعاً، وحسب نصّ الرواية أنّه تبدد في نفس اليوم، لدرجة أن الشيعة كانت تدخلُ على الإمام الكاظم (ع) أفواجاً وتقطع بإمامته وبطلان إمامة الأفطح، الذي لم يعش طويلاً بعد إدّعاءه الإمامة، وقد شاعَ أمرُ الإمام الكاظم عليه السلام إلى حدٍ جعل السلطة الحاكمة تلقي بالإمام الكاظم عليه السلام في قَعْرِ السجون وظُلَمِ المطامير.

3-              لا يُمكننا غضّ البصر عن ظرف التقيّة الذي لم يكن يسمحُ للإمام الصادق عليه السلام بإشهار هويّة الإمام الكاظم (ع) خوفاً على حياته، ولا يصحّ أن يعترض معترضٌ على الأمر، إلّا أن ينسب التقصير للإمام المعصوم عليه السلام في تبليغ أمر الإمامة، وعموماً لا يُوجدُ دليلٌ يحتّم على الإمام الصادق عليه السلام أن ينصّ على الإمام من بعده لكلّ أحد، ولا حتّى لكلّ خواصّه، ويكفي أن يضع الضوابط العامّة التي لا تنطبق إلا على الإمام من بعده، ويكفي في الأمر أن ينصّ عليه عند جملةٍ من الخواص، وكلا الأمرين تحققا، وبموجبهما اهتدت الشيعة  بعد الصادق عليه السلام لإمامة الإمام الكاظم عليه السلام. بل إنّ أولئك الذين لم يستجيبوا بادئ الأمر لإمامة الكاظم عليه السلام و إعتقدوا بإمامة عبدالله الأفطح في فترةٍ معيّنةٍ صاروا إلى ثلاثة أقسام:
الأول: رجعَ عن الفطحيّة إلى إمامة الكاظم عليه السلام في حياته،
والثاني: رجع لإمامة الكاظم عليه السلام بعد وفاة عبدالله، وهم عامّة الفطحيّة،
والثالث: وهو البعض ممن صفى من المجموعتين السابقتين،  وقد بقي على القول بإمامته([24]).
 

4-              أنّ مجرد النصّ لا يَعصِمُ من الإختلاف، ودونك أميرُ المؤمنين عليه السلام، فرغم النصوص المتواترة التي نصّت على إمامته عليه السلام، ومع ذلك فإنّ الأمّة لم تكن معصومةً من إتّباع غيره. بل إنّ الدليل قائمٌ على أنّ البعض -ورغم وقوفهم على النصّ على الإمام اللاحق- إلّا أنّ هذا النصّ لم يكن عاصماً لهم من الضلالة، ودونك الواقفة الذين أخذهم الطمعُ بالمال للوقف على الإمام الكاظم عليه السلام، يقول الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه الغيبة: "وقد روي السبب الذي دعا قوما إلى القول بالوقف، فروى الثقات أن أول من أظهر هذا الاعتقاد علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي،  وعثمان بن عيسى الرواسي طمعوا في الدنيا، ومالوا إلى حطامها واستمالوا قوما فبذلوا لهم شيئا مما اختانوه من الأموال، نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري  وكرام الخثعمي  وأمثالهم."([25])

بل إننا نجدُ في رواية البحث أنّ بعض من قال بالوقف، قد وقع على النصّ على الكاظم عليه السلام بشكلٍ أو بآخر ولو كان ذلك بالحضور عند الكاظم عليه السلام، فهذا هشام بن سالم يقول في ذيل الرواية: "..وفكلُّ من دخل عليه [أي الكاظم عليه السلام] قطع عليه، إلا طائفة عمّار وأصحابه..". وجليٌّ أن دخول الساباطي وأصحابه على الإمام كان موضوعه إمامة الكاظم عليه السلام كما يظهر من سياق الرواية.


كما نجدُ أن الفرقة الناووسية تمرّدت على ما شاهدته عياناً من وفاة الإمام الصادق عليه السلام ودفنه، ومثلهم الإسماعيليّة، وجليٌّ أن الأمر لا يتعلّق هنا بخفاء النصّ، فكلّا من الناووسية –الذين إعتقدوا بأنّ الإمام الصادق عليه السلام لم يمت- والإسماعيليّة المعتقدون بإمامة إسماعيل بن الإمام الصادق (ع)، كذّبوا وفاة كلاً من الإمام الصادق عليه السلام وإسماعيل ابنه رغم وفاتهما ودفنهما أمام أعين الناس، وللشيخ المفيد نقوضٌ لطيفةٌ على مدّعاهم، فمن ردّه على الناووسية ينقلُ الشريف المرتضى في الفصول المختارة من العيون والمحاسن([26]): "قال الشيخ أيده الله[أي المفيد]: "فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها وفاة أبي عبد الله - عليه السلام - ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة لأن العلم بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة الدافعين لوفاة أمير المؤمنين - عليه السلام - وبين من أنكر مقتل الحسين - عليه السلام - ودفع ذلك وادعى أنه كان مشبها للقوم، فكل شئ جعلوه فصلا بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبد الله - عليه السلام -.".

وزبدة الكلام، أنّه يُعلم بما تقدّم أن أئمة أهل البيت عليهم السلام، ما كانوا ليتركوا شيعتهم هملاً بدون توجيهٍ لإمام زمانهم، ولا يَصحُّ أن يُنسبَ لهم التقصير في هذا الجانب، وبالمطالعة السريعة في سيرة الأئمة عليهم السلام نجدُ أنهم قد وضعوا الضوابط العامّة التي تعرّفهم على الإمام اللاحق، بما يعينهم فيزمان التقيّة الشديدة، كما أنهم ألحقوا النصّ على عين الإمام اللاحق، وإن كان هذا الأمر لدائرةٍ أضيق، ومن شذّ عن هذا الخط لهوى أو لميل، فلا ينبغي أن يُحمّل الإمام عليه السلام وِزْرَه.



[1]  الكافي، الشيخ الكليني، تحقيق علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة 1388 ه‍، دار الكتب الاسلامية: باب ما يفصل فيه بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ج 1 ص 351
[2]  الإرشاد،  الشيخ المفيد، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لتحقيق التراث، دار المفيد (طباعة - نشر – توزيع) :باب ذكر طرف من دلائل أبي الحسن موسى عليه السلام وآياته وعلاماته ومعجزاته  ج 2 ص 221
[3]  اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، الشيخ الطوسي، الطبعة الأولى (1427 هـ) ج 4 ص 238 - 239
[4]  الكافي، مصدرٌ سابق، باب الأمور التي توجب حجة الإمام عليه السلام ج 1 ص 284
[5]  الكافي، مصدر سابق، ج 1 ص 284
[6]  الكافي، مصدر سابق، ج 1 ص 285
[7]  الإرشاد، مصدر سابق، ج 2 ص 216
[8]  مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، طبعة 1375 ه‍، المطبعة الحيدرية في النجف، ج 3 ص 409 وما بعدها
[9]  الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي ص 439
[10]  بحار الأنوار،  العلامة المجلسي، الطبعة الثالثة 1403 هـ، دار إحياء التراث العربي بيروت، لبنان، ج 36 ص 406
[11]  ولمثل هذه التساؤلات الهادفة لزعزة تصوّرٍ معيّنٍ عند الناس شاهدٌ قرآني في قوله تعالى حاكياً عن نبي الله إبراهيم عليه السلام: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ  ﴾[الأنعام: 76 - 79]. وجليٌ أن هذه التساؤلات التي جاءت على لسان خليل الرحمن لم تكن عن شك في الله عزوجل بل كانت كاشفة عن زيف الآلهة التي كان يعتقد بها الناس، فقد سبق الآية حديثه مع آزر وقوله له: ﴿ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ وكذلك الإشارة إلى يقين النبي إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾.
[12]  جاء في كتاب فرق الشيعة المنسوب للنوبختي، الطبعة الأولى (1433هـ) منشورات الرضا، بيروت، لبنان: ص 127:  "وعاش عبدالله بن جعفر بعد أبيه سبعين يوماً أو نحوها"، وهو يكشف أنّ الحيرة التي قد يكون قد وقعفيها البعض قد تبدّدت في أقل من سبعين يوماً وذلك لأنّ الناس قد إنصرفت عن عبدالله الأفطح في حياته.
[13]  مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج3 ص 434
[14]  الكافي، مصدر سابق، ج 1 ص 308
[15]  الكافي، مصدر السابق، ج1 ص 309
[16]  كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، صححه وعلق عليه على أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي، بقم المشرفة، إيران، ج 1 ص 362
[17]  الكافي، مصدر سابق، ج 1 ص 527
[18]  كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ج 1 ص 336
[19]  الكافي، مصدر سابق، ج 1 ص 308
[20]  الكافي، مصدر سابق، نفس الصفحة.
[21]  الكافي، مصدر سابق ج 1 ص 310
[22]  الكافي، مصدر سابق، نفس الصفحة.
[23]  كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ج 1 ص 103
[24]  فرق الشيعة المنسوب للنوبختي، الطبعة الأولى (1433هـ) منشورات الرضا، بيروت، لبنان: ص 127
[25]  الغيبة،  الشيخ الطوسي، تحقيق الشيخ عباد الله الطهراني والشيخ على احمد ناصح، مؤسسة المعارف الاسلامية، ج1 ص 87
[26]  الفصول المختارة،  الشريف المرتضى، تحقيق السيد علي مير شريفي، طبعة 1414 هـ،  دار المفيد (طباعة - نشر – توزيع)  ص 307

الأربعاء، 12 أبريل، 2017

السيّدة زينب (ع) وتعريةُ ظاهرة التشدّق بالدين !!

السيّدة زينب (ع) وتعريةُ ظاهرة التشدّق بالدين !!

من المشاهد اللافتة للمتأمل في سيرة العقيلة زينب عليها السلام أنّ من جرّت عليها الدواهي مخاطبتهم ، كانوا من المتشدقين بالهويّة الدينية رغم إجرامهم وقتلهم لريحانة رسول الله صلّى الله عليه وآله وخروجهم الفاضح من حياض الدين، فهذا عمر بن سعد لعنه الله يقول: "يا خيل الله اركبي وأبشري"[1] وكان صائحهُ فيما بعد ينادي "احرقوا بيوت الظالمين"، وهذا ابن زياد لعنه الله يخاطب العقيلة  (ع) بالقول: "الحمدُ لله الذي فضحكمم وقتلكم وكذّب احدوثتكم"[2] وفي موضعٍ آخر: "كيف رأيتِ صنعَ الله بأهل بيتك"[3]، وفي موضعٍ ثالث: "قد أشفى الله نفسي من طاغيتك"[4]، وهذا يزيد بن معاوية لعنه الله يقول للإمام السجّاد عليه السلام: "يا علي! أبوك الذي قطعَ رحمي وجهل حقّي ونازعني سلطاني! فصنع به الله ما قد رأيت!" [5] وقال للحوارء عليها السلام: "إنما خرج من الدين أبوك وأخوك"[6]، ويقرّعها تارة بلفظة "كذبت يا عدوّة الله"[7].

وقد أجاد ابن عفيف الأزدي الوصف حينما قال: "تقتلون أولاد النبيين، وتتكلمون بكلام الصديقين"[8]

وتشكّلُ هذه الظاهرة منطقة إلتقاء يجتمعُ حولها كثيرٌ من أعداء الدين، الذين يحاولون رغم إجرامهم– كثرُ أو قلّ – أن يقتنصوا بشباكهم أكبر شريحةٍ ممكنةٍ من الناس، فيطعّمونَ كلماتهم بعبارات "الدين" والدفاع عن حياضه، وإن كانوا ممن أوغل في الإفساد في الدين.

إلّا أن البصيرة التي كانت تتمتّعُ بها الحوراء عليها السلام، كانت كفيلةً بتعرية زيف تشدّقهم بالدين وتجلببهم بلباسه، وقد بلغ من فضحها لنفاق يزيد أن جعلت نساء آل معاوية يبكين لمقتل الحسين عليه السلام[9].

وقد انطلقت في تعريتها للباطل من فضح زيف تشدّق هؤلاء بالمعاني والقيم الدينية، وتصحيح الفهم المغلوط الذي قد ينطوي على السذّج من الناس، قائلةً: "أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض و آفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء ، أن بنا هوانا على الله ، و بك عليه كرامة و إن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك و نظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستوسقة و الأمور متسقة و حين صفا لك ملكنا و سلطاننا ، فمهلا مهلا لا تطش جهلا ، أنسيت قول الله تعالى (و لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين) ..."[10].
وكأنها تقولُ له: ما تراه مجداً وتسديداً وتدّعي أنّه نصرٌ من الله وتمكينٌ منه لك، ليس إلّا مجرد إملاء ليزداد إثمه.
كما كانت تخاطبهُ بلهجة قوّة وعزّة قائلةً:
"فكد كيدك و اسع سعيك و ناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ، و لا تميت وحينا ، و لا تدرك أمدنا ، و لا ترحض عنك عارها و هل رأيك إلا فند و أيامك إلا عدد و جمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين"[11]



[1]  البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، الطبعة الأولى (1423 هـ) مطابع دارالبيان الحديثة، القاهرة: ج 8 ص 151
[2]  وقعة الطف لأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي، تحقيق الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي، الطبعة الثالثة 1431هـ، مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (ع): ص  299
[3] المصدر السابق: ص 299
[4]المدصر السابق: 299
[5] المصدر السابق: 309
[6]المصدر السابق: 310-311
[7] المصدر السابق: ص 310
[8] البداية والنهاية، مصدر سابق، ج 8 ص 163
[9] وقعة الطف، مصدر سابق: ص 311
[10] اللهوف في قتلى الطفوف للسيّد ابن طاووس: ص: ١٠٥
[11] المصدر السابق: ص 107