الاثنين، 9 يناير، 2012

(فاطمة) اسمٌ اسلامي بامتياز : مناقشة تاريخية




(فاطمة) اسمٌ اسلامي بامتياز : مناقشة تاريخية *

ابو كرار العجمي

alian2020@hotmail.com

"...واخر قد تسمى عالماً وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل منضُلاّل ، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على ارائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمن من العظائم ، ويهون كبير الجرائم ، يقول :أقف عند الشبهات ، وفيها وقع ، ويقول : أعتزل البدع، وبينها اضطجع ..."

الامام علي بن ابي طالب عليه السلام

ان من المؤسف أن يدعي البعض الاهليه العلميه فيتصدى لمناقشات روائيه وعقائديه وتاريخيه، ويوشحها بمفاهيم ومناقشات ظاهرها العلميه وباطنها الجهل. هذه الظاهره هي درجةٌ من درجات الجهل، يوصفها الامام علي عليه السلام بالهروب من الشبهه للوقوع فيها واعتزالٌ من البدعه للاضطجاع فيها. أقدم هذه المقدمه مستحضراً مقالاً كتبه "الشيخ" عباس دهيني بعنوان (فاطمه اسمٌ جاهلي بامتياز) ويمكن قرائته على هذا الرابط:

http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=501

ملخص التحقيق:

تتمحور المناقشة التاريخيه للكاتب في موضوعه (فاطمه اسمٌ جاهلي بامتياز) حول نقطتين:

الاولى: جاهلية اسم فاطمه: "أنّ اسم فاطمة كان شائعاً في عصر الجاهليّة. فهو اسم جاهليّ".

الثانيه: عدم وجود رابط بين اسم فاطمه والاشتقاق من الاسم الالهي (الفاطر) حيث ذهب الكاتب الى القول "أنّ الله هو «فاطر السماوات والأرض» وهذه فاطمة فأيُّ معنىً لغويّ مشترك بين جذر «فَطَرَ» وجذر «فَطَمَ»؟!"

المناقشة:

لقد وقع الكاتب في كثير من الاشتباهات الغير علميه، وخلص الى نتيجةٍ مغلوطةٍ لأن مقدماته كانت مقدمات مغلوطه، وعليه سنتناول الرد في المناقشات التاليه وسنوضح مواضع اللبس والخلل في ما ذهب اليه وسنستعرض جملةٌ من النصوص التي تتناول اسم فاطمه وتطرحه بهويته الالهيه لا الجاهليه كما اشتبه الكاتب.

المناقشة الاولى: هل اسم (فاطمه) جاهلي؟

هنالك فرقٌ بين المعاصره والتواجد في العصر الجاهلي وبين أن يكون الاسم جاهلياً، فالاخير يحمل سمات العصر الجاهلي، أما التواجد والمعاصره فليسا علةً لكونه جاهلياً، وهنا سنسف استدلال الكاتب من نطق شفاه، فالكاتب يذهب الى أن (التتبُّع في تاريخ العرب ما قبل الإسلام وجدنا أن الأسماء الأربعة الأولى لم يكن لها أيّ ذكر على الإطلاق آنذاك، ولم تكن معروفة عند عرب الجاهليّة) ولكنه لا يقول انها جاهليه، فاسم (محمد) على سبيل المثال سمي به النبي الخاتم صلى الله عليه واله وسلم ما يعني أنه وجد في العصر الجاهلي (1) وقبل ظهور الرساله المحمديه، ولكن لأنه لا يحمل سيماء الجاهليه فانه لم يطلق عليه هذا الاسم. وعند اسقاط هذا المعنى على اسم فاطمه فان الاسم لا يحمل اي علامات جاهليه، فلا يصح نسبته الى العصر الجاهلي. وللتوضيح أكثر نقول، كما انه ليس كل من عاصر العصر الاموي هو أموي فكذلك ليس كل من عاصر العصر الجاهلي هو جاهلي!

المناقشة الثانيه: فاطمه اسمٌ اسلامي حنيفي:

للتدليل على ان اسم فاطمه اسمٌ جاهلي، قام الكاتب بالاستدلال بوجود هذا الاسم لدى كل من فاطمه بنت أسد وفاطمه بنت حزام (أم البنين)، ورغم ان الاخيره لا يمكن الاستدلال بها لولادتها في العصر الاسلامي (2)، ولكننا على الاقل نذهب الى أن الاستدلال بفاطمة بنت أسد – ام النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد أمه- و فاطمة بنت الحمزه وغيرها من فواطم بني هاشم هو في محله. لكن الظاهر جلياً أن هذه الفواطم ترتبط باسرة ابراهيمية موحده تقلبت في الساجدين (وتقلبك في الساجدين)، وهو من سمى المسلمين بالمسلمين (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ) الحج 78، ولا يبعد أن تكون هذه الاسماء النورانيه في طيات بيوت الانبياء عليهم السلام – كحال اسم محمد الذي بشرت به الديانات السابقه – اثر على اثرها اتباع هذه السلاله النورانيه الا أن يتسموا بها ويتداولوها، وعليه فاسم فاطمه هو اسمٌ حنيفي ابراهيمي "اسلامي". وقد يثار اشكالٌ آخر حول وجود من تسمت بهذه الاسماء من خارج بني هاشم ونقول في مقام الجواب أنه لا يبعد تأثر ابائهن بمن سمى به من نسل ابراهيم الخليل عليه السلام، خصوصاً وان شأن بني هاشم كان من التأثير بحيث أنهم كانوا محل قدوه.

المناقشة الثالثه: قيمة الاسم:

قد يوجد مسمىً ما في ضرفٍ زمني معين، بمعنى ومفهومٍ معين ولكن يحصل أن يكتسب الاسمُ معنىً آخر غير سابقه، فتضافُ قيمةً جديده للاسم. فمثلاً، كلمة حيدر تطلق على الاسد ولكنها اكتسبت معنىً اسلامياً خاصاً بعد تسمي الامام علي عليه السلام به. ونجد هذه الخصوصية في اسم فاطمه – كما سيرد لاحقاً- حيث أنها بابي هي وامي، سميت بفاطمه لخصوصيات معينه، فبذلك اكتسب اسمها المبارك قدسيةً غير تلك التي كان يعرف بها من قبل. بل ان اسمها - كما تشير الرواية الوارده في كتاب الكافي الشريف – هو نطق الوحي الشريف على لسان النبي صلى الله عليه واله وسلم، فعن صالح بن عقبة عن يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر ع قال : لما ولدت فاطمة ع أوحى الله إلى ملك فأنطلق به لسان محمد صلى الله عليه وآله فسماها فاطمة ثم قال : إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث ثم قال أبو جعفر ع : والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث في الميثاق" (3). فكيف يجوز أن يكون النطق به وحياً سماوياً ولا يكون الاسم الهيا؟

المناقشة الرابعه: نوع الاشتقاق

ان اشكال الكاتب على عدم وجود رابط بين (فاطمه) و (فاطر) أو (فطم) و (فطر) غير تام، لأنه حصر الاشتقاق بقسمٍ واحدٍ فقط وتغافل عن بقية الاقسام ، في حين أن الاشتقاق في اللغة العربيه على أنواع، وللتوضيح نسوق الانواع الاقسام التاليه مع أمثلةٍ عليها:

أ‌) نوعٌ يشتمل فيه كلا من المشتق والمشتق منه على ذات مصدر الكلمه، كاشتقاق (رؤيه) من (رأى) أو (كتابه) من (كتب). (4) ورغم ان هذا النوع هو الأكثر شيوعاً الا أنه ليس الوحيد.

ب‌)نوعٌ يشتمل على ذات الحروف ولكن مع اختلافٍ في الترتيب، ومثاله (قوس) و(سوق).

ج) نوعٌ لا يشتمل على كل حروف الأصل ولكن أغلبها موجود ومثالها (قصم) و(فصم) و(فطم) و(فطر) وهذا ما أغفله الكاتب واوقعه في هذا الاشتباه.

وهنالك مناقشة قيمه للشيخ محمد باقر الكجوري في كتابه الخصائص الفاطميه (5) يعالج الاشكال حول تغاير المشتق والمشتق منه يناقش فيه الاشتقاق من جهتيه اللفظي والمعنوي حيث يقول :

" ... غير أن المشتق والمشتق منه (فاطر وفاطمة) متغايران حرفا ولفظا في الصيغتين، فكيف يصح الإشتقاق؟
الجواب: يوجد في المقام ثلاث وجوه محتملة:
الوجه الأول:
قال علماء النحو والصرف في باب الإشتقاق والقلب والتبديل: يجوز تبديل حرف بحرف في اسم ما لمناسبة ما، وهو نوع شائع من الإشتقاق، مثل نعق ونهق، أمليت وأمللت، ومثل اشتقاق طبيب من طيب، وبكه من بكاء، وشيعه من الشعاع، بل قد يحذف حرف من المشتق منه بواسطة النقل.
فيقال فيما نحن فيه: إن لفظ فاطمة مؤلف من خمس حروف، وفاطر من أربع حروف، وثلاثي فاطمة فطم، وثلاثي فاطر فطر، فأبدلت الراء بالميم وحذف منه حرف، وحروف كلا الإسمين متقاربة، فالله فاطم وفاطر، ويشهد له الحديث المذكور وقوله تعالى (يتفطرن) و (فاطر السماوات) و (إذا السماءانفطرت) من فطر إذا انشق وانفتق، والله سبحانه فاتق السماوات والأرضين. أو الفاطر بمعنى الخالق، كقوله (عليه السلام): فطرهم على المعرفة أي خلقهم. قال ابن عباس: ما كنت أدري «فاطر السماوات والأرض» حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما «أنا فطرتها» أي ابتدأت حفرها فعرفت معنى الفاطر. فالفاطم والفاطر معناهما متقارب، أي القاطع والشاق والفاتق، ولذا قال الله في الحديث المذكور «وفاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يعيرهم ويشينهم». والخلاصة: إن في الإسمين المقدسين قلب وتبديل، وهو شائع ومعروف عند أساتذة هذا الفن.

الوجه الثاني:
إن الإشتقاق في الإسمين حسب المعنى لا اللفظ، والاشتقاق المعنوي من وجوه الإشتقاق، بل ذهب بعض إلى ترجيحه، وفي الحديث: إن الله خلق السماوات والأرض من نور فاطمة; ويشهد له ما في الحديث المذكور «وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض»، ثم سمى نفسه في الفقرة التالية «فاطم»، وكأن المعنيان متحدان، وهما صيغتان لمعنى واحد. وحينئذ يكون الإشتقاق صحيحا.
وإنما سمى الله نفسه «فاطر السماوات والأرضين» لأنه فطرهما من نور فاطمة، ولا شك أن ظهور قدرته الكاملة كان بواسطة وجود فاطمة، فاقتضى أن يشتق لها اسما من اسمه هذا. فبناء على رأي أصحاب هذا المسلك، لا اعتبار بالحروف الأصلية والأصول المادية والهيئآت اللفظية المركبة، لأن اللفظ قالب المعنى. ورجحان قولهم من هذا الوجه واضح بين.

الوجه الثالث:
لو دقق أهل الأخبار في قوله (عليه السلام) من: «أن الله شق اسم فاطمة من اسمه» على الإطلاق وفي بعضها «من أسمائه»، لاتضح أن الإشتقاق من مطلق الاسم أو الأسماء، وتخصيص الفاطر بالذكر لإظهار القدرة والعظمة، أي إني أنا فاطر السماوات والأرضين وقد اشتققت لفاطمة اسما من أسمائي، وإنما ذكر فاطمة والفاطر في القدسي وغيره للتشابه الصوري وتقارب الحروف والألفاظ.
وهذا الوجه لا يخلو من ملاحة، والتعبير عن الإسمين بهذا الطرز المليح والطور الفصيح فيه حلاوة، خاصة وإن كان الحديث «وشق لك إسما من أسمائه» ظاهرا في «الفاطر» لا مطلق الاسم أو الأسماء الأخرى غير الفاطر . ولعل ما سأذكره الآن يوافق الواقع ويلقى قبول السامع، فأقول: كما أن لفظ الجلالة «الله» جامع لكافة أسماء الله وصفاته وكمالاته، فإن أسماء تمام المسميات وأسماء الله مشتقة بنحو العموم من اسم الفاطر، وكأن هذا الاسم «رب النوع» للأسماء من حيث الإنشقاق والانفطار، ومنه اشتق اسم فاطمة ومعناه، فكل المسميات والحقائق السماوية العلوية والأرضين السفلية اشتقت وفتقت ورتقت وظهرت باسمه، ومن الأسماء الظاهرة اسم فاطمة الطاهرة. فكما أن الله تعالى خالق الإصباح وفالق الحب والنوى، فهو أيضا فاطر السماوات وفاطر الأسماء، وكما أنه تعالى عن الخلق فردا أحدا لا ند له ولا عديل في ألوهيته ذاتا وصفة وفعلا وإسما، فكذلك فاطمة في عبوديتها انقطعت عن الند والمثيل، وتفردت في العبودية عن نوع الممكنات وكافة البريات ذاتا وصفة وفعلا وإسما ورسما وحسبا ونسبا. واسمها المقدس جامع لأسمائها وصفاتها الأخرى، تماما كما قلنا في اسم الله تعالى.."

وفي ما ذكر فائدةٌ ترفع اللبس حول اشكال الجذر لكلمة فاطم وفاطر.

المناقشة الخامسه: علة اسم (فاطمه) في النصوص الروائيه:

استشكل الكاتب على الخطباء ايراد هذا الدعاء وتغافل عن كونه نصاً روائياً، فاشكالهُ يمتد على الروايه لا الخطباء. ومن هنا نقول لا يمكن للكاتب أن يغض النظر عن الكم الكبير من الروايات التي تناولت الدعاء الذي استنكره على لسان الخطباء، حول اصل التسميه، ومن هنا نفرد بعض الابواب التي تناولت منشأ اسم فاطمه:

ألف: اسم فاطمه مشتق من اسم فاطر:

عن ابن عباس قال: قال رسول الله لعلي بن أبي طالب " ع " لما خلق الله تعالى ذكره آدم ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته وأسكنه جنته وزوجه حواء أمته فوقع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمس سطور مكتوبات قال آدم يا رب ما هؤلاء؟ قال تعالى هؤلاء الذين إذا شفعوا بهم إلى خلقي شفعتهم فقال آدم يا رب بقدر هم عندك ما اسمهم؟ فقال أما الأول فأنا المحمود وهو محمد، والثاني فأنا العالي وهذا علي والثالث فأنا الفاطر وهذه فاطمة والرابع فأنا المحسن وهذا الحسن والخامس فأنا ذو الاحسان وهذا الحسين كل يحمد الله تعالى (6).

باء: سميت فاطمه لأن الله فاطم من أحبها من النار :

حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي ابن الحسين السكري قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا مخدج بن عمير الحنفي قال: حدثني بشر بن إبراهيم الأنصاري، عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه عن أبي هريرة قال: إنما سميت فاطمة فاطمة لان الله تعالى فطم من أحبها من النار (7).

جيم: سميت فاطمه لقطع الأطماع :

حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى قال: حدثنا محمد بن زياد مولى بني هاشم قال: حدثنا شيخ لنا ثقة يقال له نجية بن إسحاق الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن الحسن قال: قال لي أبو الحسن لم سميت فاطمة فاطمة، قلت: فرقا بينه وبين الأسماء قال إن ذلك لمن الأسماء ولكن الاسم الذي سميت به ان الله تبارك وتعالى علم ما كان قبل كونه فعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوج في الاحياء وانهم يطمعون في وراثة هذا الامر فيهم من قبله فلما ولدت فاطمة سماها الله تبارك وتعالى فاطمة لما اخرج منها وجعل في ولدها فقطعهم عما طمعوا، فبهذا سميت فاطمة، لأنها فطمت طمعهم. ومعنى فطمت: قطعت (8).

دال: سميت فاطمه لأن الله فطمها من الشر:

حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدثني الحسن بن عبد الله بن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله " ع " لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء، ثم قال: أتدري أي شئ تفسير فاطمة عليها السلام؟ قلت إخبرني يا سيدي قال: فطمت من الشر قال: ثم قال، لولا أن أمير المؤمنين " ع " تزوجها ما كان لها كفوا إلى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه (9).

هاء: سميت فاطمه لأنها فطمت بالعلم:

حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رحمه الله قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين، عن محمد بن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر " ع " قال: لما ولدت فاطمة عليها السلام أوحى الله عز وجل إلى ملك فانطق به لسان محمد فسماها فاطمة ثم قال أنى فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطمث ثم قال أبو جعفر " ع ": والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق (10).

واو: سميت فاطمه لأنها فطمت وشيعتها من النار:

حدثنا محمد بن الحسن رحمه الله قال: حدثنا أحمد بن علوية الأصبهاني عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن جندل بن والق قال: حدثنا محمد بن عمر البصري عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا فاطمة أتدرين لم سميت فاطمة؟ فقال علي " ع " يا رسول الله لم سميت؟ قال: لأنها فطمت هي وشيعتها من النار (11).

وبعد هذا كله، يأتي البعض لينفي وجود خصوصيةٍ لاسم فاطمه عليها السلام!!!

الخاتمه:

بعد استعراض هذه المناقشات، يبدو جلياً ان استشكال الكاتب على الدعاء ينبي عن جهلٍ بوجوده في النصوص الروائيه المشهوره. وقد اتضح من خلال النصوص الروائيه القيمة الالهيه والقدسية الخاصه لاسم فاطمه عليها السلام، وما نعته بالجهل اتضح انه نتاجُ جهله، فاستقبح الجميل وجمل القبيح، وعثر في الاشتباهات، ووطأ بأخمصه الشبهات. والحال أن بعض النصوص تؤكد على أن اسماء اهل البيت عليهم السلام الهية المنشأ بشكل صريح، فاضافة الى ما ذكر في المناقشات، نسوق ما ورد في فرائد السمطين حيث جاء في الحديث القدسي (هؤلاء خمسة شققت لهم أسماءا من أسمائي, لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس والجن, فأنا المحمود وهذا محمد, وأنا العالي وهذا علي, وأنا الفاطر وهذه فاطمة, وأنا الإحسان وهذا الحسن, وأنا المحسن وهذا الحسين) (12). فهل ينفع بعد هذا كله أن تغمض العين ويدعى العمى؟

المصادر:

(1) يذهب ابن دريد في كتابه الاشتقاق صفحة 2 الى وجود اسم محمد في الجاهلية حيث يقول: "وقد سمَّت العربُ في الجاهلية رجالاً من أبنائها محمداً، منهم محمدّ ابن حُمْرانَ الجعفي الشاعر، وكان في عصر امرئ القيس بن حُجْر، وسمّاه شويعراً وقال:
أبلغَا عنِّيَ الشُّويعِرَ أنِّي ... عَمْدَ عينٍ جلَّلتُهنَّ حَرِيما
أي قصدتُ ذاك. ومحمّد بن بِلال بن أُحَيحة بن الجُلاح، وأحيحةُ كان زوجَ سَلمى بنت عمرو بن لبيد النَّجَّارية، فخَلَف عليها بعده هاشم بن عبد مناف، فولدَتْ له عبدَ المطَّلب بنَ هاشم، فهي جَدَة رسول الله عليه السلام، أمُّ جدِّه. ومحمّد بن سفيان بن مُجاشع بن دارم، ومحمَّد بن مَسْلَمة الأنصاري سمِّي في الجاهلية محمداً، وأبو محمَّد مسعودُ بن أوس بن أصْرَم بن زيد بن ثَعْلَبة، شَهِد بدراً. ومحمد بن خَوْلىّ، وخَولىّ: بطنٌ من هَمْدان."، وعلى فرض الثبوت، نقول بأن منشأ تلك التسميات هو خلاف منشأ التسمية التي من أجلها سمى عبدالمطلب رضي الله عنه النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم بدليل قوله عن سبب التسميه (أردت أن يُحمَد في السماء و الاَرض) السيره الحلبيه ج 1 ص 78 وندرة الاسم قرينةٌ عليه، وما قول عبدالمطلب وهو الابراهيمي الموحد الا للتدليل على الخصوصية الالهيه لاسم محمد.

http://islamport.com/w/lqh/Web/97/2.htm

(2) ليس هناك تاريخٌ محدد في المصادر التاريخيه حول سنة ولادة السيده الجليله ام البنين رضي الله تعالى عنها، ولكن الارجح أن ولادتها كانت بعد بعثة النبي صلى الله عليه واله وسلم وبعد هجرته المباركه، ذلك أن زواجها بالامير عليه السلام كان بعد شهادة الزهراء عليها السلام (11 هـ) وكانت الفتاة في تلك العصور تتزوج في عمرٍ باكر ما يعني انها ولدت ما بعد الهجرة، وهناك من المحققين من يذهب الى أن اسمها هو ام البنين لا فاطمه كالشيخ التستري في قاموس الرجال ج 12 ص 196 حيث يقول " ثم تسمية المصنف لها بفاطمة لم أدر إلى أي شئ استند، فلم يذكر الزبيري والطبري والإصبهاني والعمدة (٢) والمفيد لها اسما، بل ظاهرهم أن أم البنين اسمها".

(3) الكافي الشريف، للشيخ الكليني قدس الله سره، ج 1 ص 460 باب مولد الزهراء عليها السلام.

(4) أخطأ الكاتب حينما اعتبر أن هذا النوع من الاشتقاق هو الوحيد الجائز، في حين تغافل عن بقية الانواع.

(5) الخصائص الفاطميه للشيخ محمد باقر الكجوري (1255 – 1313 ) ترجمة سيد علي جلال اشرف ج 1 ص 310، انتشارات الشريف المرتضى.

(6) علل الشرائع للشيخ الصدوق – تحقيق السيد محمد باقر بحر العلوم ج 1 ص 134، باب ١١٦ - العلة التي من أجلها سمى الأكرمون على الله تعالى .

(7) علل الشرائع للشيخ الصدوق – تحقيق السيد محمد باقر بحر العلوم ج 1 ص 178، باب ١٤٢ - العلة التي من أجلها سميت فاطمة " ع " فاطمة .

(8) المصدر السابق.

(9) المصدر السابق، ص 135.

(10) المصدر السابق.

(11) المصدر السابق.

(12) فرائد السمطين للجويني الخراساني، ج 1 ص 37.


* المقاله نسخه معدله من مقال نشرته على موقع نصوص معاصره:

http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=589

السبت، 11 يونيو، 2011

تحقيق التحقيق حول فضل زيارة الامام الرضا عليه السلام




مؤخراً، أخذت القراءة الانترنتية تستحوذ على اهتمامي بشكلٍ كبير ربما لأنها أسهل من الكتابه لشخصٍ كسولٍ مثلي، وهو مجالٌ خصب لاستطلاع الاراء وصقل المعارف. وفي احدى (جولاتي) الانترنتية وقعت على مقالٍ منشور في موقعٍ نصوص معاصرة، فساقني الفضول لاستفهام المقال ومحتواه، فاليكم فحوى استفهاماتي:

المقال الأصلي هو بعنوان : (فأصابه في طريقه قطرةٌ من السماء حرَّم الله جسده على النار « من زار الرضا) وهي دراسة تحقيقيّة في هذا الحديث قام بها الشيخ محمد عبّاس دهيني، ويمكن قرائته على هذا الرابط:


http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=418



ملخص التحقيق:



يتمحور الموضوع حول جنبه من جنبات ثواب زيارة الامام الرضا عليه السلام وهو الامام الثامن من أئمة أهل البيت عليهم السلام وكذلك أجر الشهداء الذين يصيبهم المطر في طريقهم للزيارة أو الجهاد। يفتتح صاحب المقال موضوعه بمقدمةٍ يقول فيها:



(يعمد بعض الذين يرتقون المنبر الحسينيّ، ويرافقون المؤمنين الزائرين للنبيّ- والأئمّة(، إلى طرح مقولات حول الثوا(ب) الجزيل الذي يناله الزائر في زيارته.وهذا أمرٌ حسنٌ؛ إذ فيه تشجيعٌ للمؤمنين على زيارة مشاهد النبيّ- وأهل بيته(، وذلك أمر مستحبٌّ ومطلوب.غير أنّ بعض هؤلاء يطرح الموضوع بطريقةٍ بعيدةٍ عن الأمانة العلميّة في النقل والآليّة الصحية للفهم، ما يوجب الوقوع في بعض المحاذير العقائديّة، فينقلب فعله الحسن إلى قبيحٍ.)



وتنطبع في ذهنية من يقرأ هذه المقدمة، أن الخطباء أو المرافقين للزوار –الذين يتحدث عنهم كاتب المقال- يمارسون الخيانة العلمية للنصوص فيدلسون في الروايات أو يبترونها أو يحرفون فهمها، لكن الاستطراد في المقال وبلسان الكاتب نفسه يحيلك الى خلاف ذلك، فهم يستندون الى نصوص روائية موجوده، وكل ما في الأمر أن الكاتب يرى أن في الأمر محاذير عقائدية لا تخدش في أمانتهم العلمية.



ولتدعيم فكرته، يسفتح الكاتب دراسته التحقيقية بمناقشةٍ رجاليه في رواة الروايتين الواردتين في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه ) ليذهب الى ضعف سهل بن زياد الآدمي وجهالة محمد بن أحمد السناني، و محمد بن علي ماجيلويه وابراهيم بن هاشم ليخلص بالقول (فإنّ متابعة حال الرواة في كتب الرجال المعتمدة توصلنا إلى أنّ في سند كلٍّ من الروايتين خللاً وضعفاً.) ويضيف الكاتب روايات مشابهه بذات المضمون ولكن في ثواب من يجاهد في سبيل الله وردت في مجاميع روائية متنوعه، وعلى الرغم من أنه يضعف رواتها الا أنه يرى مقبولية المضامين ।



ثم يلحق المناقشة السندية بمناقشةٍ في المتن ليخلص للقول (إذا حملنا عبارة «أصابته قطرة من السماء أو صداع» على معناها الحقيقي ـ ما ينافي اعتقادنا بالعدل الإلهيّ، فحريٌّ بنا أن نحذر أمثالَ هذه التفسيرات الخاطئة والمغلوطة، والتي ربما ذهبت بديننا) ليقول باستحالة حمل النصوص على معناها الحقيقي والاقتصار على المعنى المجازي حتى لا يكون هناك تصادمٌ مع العدل الالهي.

المناقشة:

أقول في معرض الرد، أن لنا مع الكاتب مناقشةٌ دليلية (السند) ومناقشة مدلولية (المتن):

أولاً: المناقشة الدليلية (السند):

لم يخبرنا الكاتب على أي مبنى رجالي ذهب في تضعيفه لسهل والقول بجهالة السناني وابن ماجيلويه وابراهيم بن هاشم، ومن هنا سنقف على الاراء الرجالية في هؤلاء الرواة لنجد خلاف ما ذكره الكاتب، فالمؤشرات تعاضد صحة الصدور، وسنكتفي هنا بمناقشتين في هذا الاطار:

الأولى: مناقشة رجال الحديث:


ذهب الكاتب الى تضعيف أو جهالة الرواة التالية أسمائهم، الا أن تتبع كتب الرجالين تظهر خلاف ذلك، خصوصاً وأننا عاضدنا الرأي برأي السيد الخوئي قدس سره المعروف بتشدده في التوثيق اضافه الى غيره من الأعلام.



1- محمد بن أحمد السناني : من مشايخ الصدوق - قدس سره -، وقد أكثر الرواية عنه في كتبه مترضيا عليه، روى عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطان أبي العباس। الفقيه: الجزء 2، باب نكت في حج الأنبياء والمرسلين...، الحديث 668. وروى عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، مشيخة الفقيه: في طريقه إلى محمد بن إسماعيل البرمكي، وإلى ما كتبه الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان. وروى عن محمد بن جعفر الأسدي أبي الحسين الكوفي. مشيخة الفقيه: في طريقه إلى محمد بن جعفر الأسدي. وروى عن محمد بن يعقوب الكليني. مشيخة الفقيه: في طريقه إلى محمد ابن يعقوب الكليني. وربما يصفه الصدوق - قدس سره - بالمكتب. الأمالي: المجلس 4، الحديث 7. ثم إن هذا هو محمد بن أحمد بن محمد بن سنان المتقدم (1)



2- سهل بن زياد الآدمي: اختلف الرجاليون في توثيق سهل فهناك من ذهب الى وثاقته وهناك من ذهب الى ضعفه، الا أن تحقيقاً للسيد فيصل المشعل في حال سهل بن زياد يميط اللثام عن أسباب تضعيف سهل، ويخلص فيه الى أن مضعفيه اعتمدوا على شهادات حدسيه لا حسيه، ليخلص للقول (والحاصل أنه لم يتم من العبارات المتقدمة ما يدل على القدح في سهل بن زياد। فإذا عرفت هذا الكلام أقول: يمكن القول بوثاقة سهل بن زياد، والاعتماد على روايته - مضافاً إلى توثيق الشيخ (ره) الصريح - عن طريق استكشاف اعتماد الشيخ الكليني (ره) عليه، وذلك بأن يقال: إنه بعد ملاحظة كتاب الكافي وجدنا أن ثلث الكتاب تقريباً مروي عن طريق سهل بن زياد الآدمي، وذلك لا محالة يكشف عن اعتماد الكليني على رواياته عملاً، وهو كاشف عن وثاقته. هذا مضافاً إلى إكثار الأجلاء من الرواية عنه الذي يكشف عن اعتمادهم على رواياته، كما لا يخفى على المراجع. ودعوى كون روايات سهل كلها محفوفة بالقرائن الخارجية المفيدة للاطمئنان ممنوعة؛ لأن ذلك متصور في عدد قليل من الروايات، لا في ثلث الكتاب. وبعبارة أخرى: إن احتفاف ثلث روايات كتاب الكافي المروية عن طريق سهل - أي أكثر من ألف رواية - بالقرائن الخارجية مع ضعفها السندي بعيد جداً. فالقول بوثاقة سهل هو الأقرب إلى الصواب) (2)



3- محمد بن علي ماجيلويه: محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم: ماجيلويه، تقدّم عن النجاشي في ترجمة محمد بن أبي القاسم عبيداللّه: أنّ محمد بن أبي القاسم، هو جدّ محمد بن على، الذي يروي عنه الصدوق، ولكن تقدّم في ترجمة علي بن أبي القاسم عبداللّه بن عمران، أنّ محمد بن أبي القاسم هو عمّ محمد بن علي ماجيلويه، فراجع (3)، ويقول الشيخ علي الخاقاني في رجاله (ومن هذا الباب ايضا رواية الصدوق رحمه الله - عن محمد بن على ماجيلويه واحمد بن محمد بن يحيى العطار وللشيخ رحمه الله ايضا روايات كثيرة عن احمد هذا لكن بواسطة ابن ابى جيد والحسين ابنعبيد الله الغضائري وهو ممن لم ينص على توثيقه كما يقضى به ما عن (الحاوى) حيث ذكره في خاتمة قسم الثقات التى عقدها لمن لم ينص على توثيقه ولكن يستفاد من قرائن اخر، كرواية الاجلة عنه وكونه من مشايخ الاجازة كما عن (الوجيزة : للمجلسي الثاني (ص 145) وهى ملحقة بآخر (الخلاصة) طبع ايران سنة 1312 ه‍) وكذا محمد بن على ماجيلويه فانه لم ينص على تعديله ايضا كما يقضى به ما عن (الحاوى) ايضا من ذكره في الباب الذى عقده لمن لم ينص على تعديله وانما استفيد توثيقه من امارات اخر كاستظهار كونه من مشايخ الصدوق رحمه الله لكثرة روايته عنه مترضيا عنه ومترحما عليه الى غير ذلك من الموارد التى يستفاد منها حسن حال المروى عنه بمجرد رواية الجليل عنه فضلا عن الاجلاء وفضلا عن اكثار الرواية عنه أو كونه من شيوخهم أو من مشايخ الاجازة أو مترضيا عنه) (4)



4- ابراهيم بن هاشم: وثقه الشيخ النجاشي بالقول: إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمي أصله كوفي، انتقل إلى قم، قال أبو عمرو الكشي: " تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا [ عليه السلام ] "، هذا قول الكشي، وفيه نظر، وأصحابنا يقولون: أول من نشر حديث الكوفيين بقم هو. له كتب، منها: النوادر، وكتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، اخبرنا محمد بن محمد قال: حدثنا الحسن بن حمزة الطبري قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه إبراهيم بها (5).ويقول السيد الخوئي فيه: لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم، ويدل على ذلك عدة أمور: 1 - أنه روى عنه ابنه علي في تفسيره كثيرا، وقد التزم في أول كتابه بأن ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات. وتقدم ذكر ذلك في (المدخل) المقدمة الثالثة. 2 - أن السيد ابن طاووس ادعى الاتفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: " ورواة الحديث ثقات بالاتفاق ". فلاح السائل: الفصل التاسع عشر، الصفحة 158. 3 - أنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم. والقميون قد اعتمدوا على رواياته، وفيهم من هو مستصعب في أمر الحديث، فلو كان فيه شائبة الغمز لم يكن يتسالم على أخذ الرواية عنه، وقبول قوله. وللصدوق إليه طريقان: أحدهما أبوه، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - عن سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن هاشم. وثانيهما محمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنه - عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، والطريق كطريق الشيخ إليه صحيح. وذكر الاردبيلي في جامعة: أن الطريق الشيخ إليه صحيح في المشيخة أيضا، وهذا سهو منه - قدس سره -، فإن الشيخ لم يذكر طريقه في المشيخة إلى إبراهيم بن هاشم، وإنما ذكر طريقه إلى علي بن إبراهيم. طبقته في الحديث وقع إبراهيم بن هاشم. في إسناد كثير من الروايات تبلغ ستة الآف وأربعمائة وأربعة عشر موردا، ولا يوجد في الرواة مثله في كثرة الرواية. (6) بل ان السيد الروحاني يذهب في كتابه فقه الصادق الى أن عدم توثيق العلماء له منشأه جلالة قدره فيقول " عدم توثيق علمائنا إبراهيم بن هاشم إنما هو لجلالة شأنه وعظم منزلته ، كما يشهد لذلك كونه أول من نشر الأحاديث من الكوفة بقم ، ولولا كونه معتمدا عند القميين الذين هم من أكابر المحدثين لما قبلوا رواياته سيما مع ما علم من تضييق القميين أمر العدالة حتى أخرجوا من بلدتهم من كان يروي عن الضعفاء ، واكثار الكليني الرواية عنه ، وتصريح العلامة رحمه الله بأنه تقبل رواياته ، وتصحيحه جملة من طرق الصدوق المشتملة عليه إلى غير ذلك مما يشهد بوثاقته وعظم منزلته " (7)



وكما هو ملاحظ، فاننا استعنا كثيراً بتوثيقات السيد الخوئي رغم منهجه المتشدد في قبول الرواه، اضافة الى غيره من الفطاحل، وعليه فترتفع شبهة ضعف وجهالة بعض الرواة في الروايتين.



الثانية: مناقشة تشابه المضامين:

يورد الكاتب مضامين مشابهه ولكنها للمجاهدين في سبيل الله، وعليه فان تشابه المضامين من قبل هذا الكم الهائل من الرواه، يقطع بصحة الصدور لاحتمال الاجتماع على الكذب بهذا العدد। وعليه فلو سلمنا جدلاً بضعف الرواه، فان تعدد الرواه يجبر الضعف الموجود لتعدد الطرق، كيف والحال أن رجال الروايتين هم ثقات!



ثانياًً: المناقشة المدلولية:

أما وقد تم صحة السند، وبما أن (الظهور حجه) فلا مبرر لحمله على المجاز لعدم وجود قرينة تعاضد المجاز هنا. ولكن لا بأس من مناقشة مدلول الروايتين لرفع الالتباس عما يفهم منه تعارضاً مع العدل الالهي. وسنفتتح ذلك باستعراض الروايتين:

1- جاء في «عيون أخبار الرضا»، للشيخ الصدوق(381هـ): «حدَّثنا محمد بن أحمد السناني، قال: حدَّثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي، قال: حدثني سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: سمعت عليّ بن محمد العسكري يقول: أهل قم وأهل آبة مغفورٌ لهم لزيارتهم لجدي علي بن موسى الرضا بطوس، ألا ومَنْ زاره فأصابه في طريقه قطرةٌ من السماء حرَّم الله جسده على النار». (8)

وجاء فيه أيضاً: «حدَّثنا محمد بن علي ماجيلويه، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت الرضا يقول: إني سأقتل بالسمّ مظلوماً، وأقبر إلى جنب هارون، ويجعل الله تربتي مختلف شيعتي وأهل محبَّتي، فمَنْ زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة. والذي أكرم محمداً- بالنبوّة، واصطفاه على جميع الخليقة، لا يصلّي أحدٌ منكم عند قبري ركعتين إلاّ استحق المغفرة من الله يوم يلقاه. والذي أكرمنا بعد محمد- بالإمامة، وخصَّنا بالوصية، إنّ زوّار قبري لأكرم الوفود على الله يوم القيامة، وما من مؤمن يزورني فيصيب وجهه قطرة من الماء إلاّ حرَّم الله تعالى جسده على النار» (9)

ومن الواضح أن الرواييتين اضافة الى غيرها من الروايات الشريفه تصبان في خانة تشجيع زيارة المعصومين عليهم السلام الذين هم عدل القرآن الكريم، والذي يعني الارتباط بهم الارتباط بالدين الالهي، وحتى لو أدى الى هلاك النفس كما تورد بعض النصوص، ومن هنا قدم الرعيل الأول من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام الغالي والنفيس من أجل توثيق هذه الاواصر الوديه مع أهل بيت الرحمة عليهم السلام استجابة للنداء الرباني (قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى).

الأجر على قدر المشقه:

المتأمل في كلتا الروايتين لا يجد تعارضاً مع العدل الالهي، بل على العكس ان خلاف المعنى قد يصطدم بالعدل الالهي. اذ أن كلتا الروايتين تتحدثان عن عظم مثوبة الزائر والذي تعترضه بعض المعوقات كالمطر وخلافه، ومع هذا فاصراره لا ينقطع عن تلبية نداء الزياره، وعليه وبما أن الأجر على قدر المشقه فقد استحق هذا الزائر ما قد لا يستحقه آخر. ويعاضد هذا الرأي الرواية التالية التي ينقلها الشيخ الصدوق في أماليه والتي تبين الأذى من المطر وتخلص لذات النتيجه (حرم الله جسده على النار):

حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا أبو سعيد سهل بن زياد الآدمي الرازي، قال: حدثني عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: سمعت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول: ما زار أبي (عليه السلام) أحد فأصابه أذى من مطر أو برد أو حر إلا حرم الله جسده على النار. (10)

وعليه فلا ضير من حمل الرواية على معناها الحقيقي، اضافة الى المعنى المجازي الذي يشير الى عظم الأجر والثواب لزوار الامام الرضا عليه السلام.

رزقنا الله ثواب زيارته وشفاعته يوم القيامه.

المصادر:

(1) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 16 ص 64 تبويب (10206): (http://www.shariat.org/Arabic/data/B/Rejaal/no2374.html)


(2) رسالة في تحقيق حال سهل بن زياد الآ دمي للسيد فيصل المشعل، موقع مكتبة الموسى الثقافيه:
(http://www।al-mousa.net/web/play-6127.html)




(3) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 18 تبويب (11363):
(http://www।al-khoei.us/books/index.php?id=7876)




(4) رجال الخاقاني: الشيخ علي الخاقاني ص 183 – 184:
(http://www।shariat.org/Arabic/data/B/Rejaal/no2352.html)




(5) رجال النجاشي للنجاشي ص 16 تبويب (18):
(http://www।yasoob.com/books/htm1/m020/23/no2320.html)




(6) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 1 ص 298 - 290 تبويب (332):
(http://www।yasoob.com/books/htm1/m020/23/no2359.html)




(7) فقه الصادق: السيد محمد صادق الروحاني ج 2 شرح ص304.


(8) عيون أخبار الرضا : الشيخ الصدوق: 1: 291


(9) عيون أخبار الرضا : الشيخ الصدوق: 1: 249


(10) الأمالي : الشيخ الصدوق ص 752:
(http://www।yasoob.org/books/htm1/m012/10/no1000.html)




الثلاثاء، 22 مارس، 2011

ترجمة مقال نيكولاس كريستوف مراسل النيويورك تايمز حول الوضع في البحرين

بسم الله الرحمن الرحيم
هذه ترجمة لمقالة الصحفي الشهير نيكولاس كريستوف، وقد كثر الحديث عنها مؤخراً في القنوات التلفزيونية، فأحببت أن أقوم بترجمتها، دون أن يعني ذلك أنني أتبني جميع ما ذكر فيها



عنوان المقال: البحرين تنهج القذافيه
الكاتب : الصحفي المشهور : نيكولاس كريستوف
مراسل صحيفة نيويورك تايمز
ترجمة: أ.علي سلمان العجمي

تاريخ نشر المقال: السابع عشر من شهر مارس لعام 2011م
مصدر المقال في الجريده:
http://www.nytimes.com/2011/03/17/opinion/17kristof.html?_r=3&hp




البحرين تنتهج القذافيه

انّ مما يفطر القلب أن ترى دولةً مخالفةً للكل مثل ليبيا تستهدف طلاب الديمقراطية، ولكن الأمر أكثر ضراوة عندما نرى دولةً حليفةً للولايات المتحده كالبحرين تنهج نهج القذافي وتستخدم المدرعات والأسلحة ومسيلات الدموع الأمريكية اضافةً الى الاستعانة بقوات أجنبية لقمع تظاهرةٍ سلمية متعطشة للديمقراطيه في حينٍ نلوذُ نحنُ بالصمت।


خلال الاسابيع الأخيرة في البحرين، رأيتُ مجموعات من المعتصمين ممن تم اطلاق النار عليهم من مدى قريب، كما رأيتُ فتاةً تتلوى ألماً بعد أن تم ضربها بهراوه، كما رأيتُ أيضاً رجال الاسعاف يضربون لا لجرم سوى رغبتهم باسعاف المعتصمين وقد ازداد الوضعُ سوءًا في الأيام الأخيرة. وفي مقابل موقف الولايات المتحدة الأمريكية الراغب بنزع فتيل الأزمه، شاهدنا أن المملكة العربية السعوديه قد أرسلت جيوشها للبحرين للمساعدة في قمع المعتصمين، ما نتج عن خمس وفيات أخرى بحسب وكالة الاسوشيتد برس.


في أحد مقاطع الفيديو من البحرين، يظهر رجال أمن تضرب رجلاً أعزلاً في متوسط العمر في الصدر بطلقة غاز مسيل للدموع ومن مدى قريب جداً، بدأ الرجل بعدها بالتهاوي واستجماع قوته كي ينهض، ليعاجلهُ رجال الأمن بطلقة أخرى في الرأس. الغريب انه نجا.


ان الولايات المتحدة ملزمةٌ اليوم بأن تختار التمسك أما بحلفائها أو بقيمها. المشكلة في حلفائنا البحرينين لا تكمن فقط في استهدافهم للمعتصمين، بل أيضاً في أنه قائمٌ على أساسٍ طائفي. ففي حين يحكم السنة الدولة، تجد أنهم يقومون وبشكلٍ ممنهج بقمع الحركة الاحتجاجية الواسعة للشيعية.

لقد ألقت القوات الأمنيه في البحرين منذ أسابيع القبض على زميلي في صحيفة النيويورك تايمز مايكل سلاك مان، وقد حدثني بأنهم قاموا بتوجيه أسلحتهم اليه، وكانوا على وشك أن يطلقوا النار عليه قبل أن يشهر جواز سفرة على وجه السرعه ليخبرهم بأنه صحفي أمريكي. حينها، ينقل أن مزاجهم تغير وجاءه قائد الفرقه وأخذ بيده قائلاً بكل مودة "لا تقلق! نحنُ نحب الأمريكيين".

"نحن لا نتعقبك. نحنُ نتعقب الشيعة" أخبره رجل الأمن.
حينها استحضر مايكل في داخلة أن الأمر بدا شبيهاً (بأنهم يتعقبون فئراناً).

ان جميع هذا مأساوي لأن أسرة ال خليفة الحاكمة بامكانها أن تفتخر بما تما انجازه في البحرين من مجتمعٍ مزدهرٍ وديناميكي، وطبقةٍ عاملة متعلمه ومجتمعٍ تنعم فيه المرأة بحياةٍ أكثر ازدهاراً من جارتها في المملكلة العربية السعوديه، بحيث تبدوا البحرين كواحة معتدله في منطقةٍ عسرة.

بالمقابل، بامكان أن تنزل مغمض العين بواسطة برشوت في أي حيٍ من أحياء البحرين لتعرف ان كان حياً سنياً أو شيعياً، فالأول ينعم بالطرق المزدهرة والخدمات العامه. كما أن من المستحيل أن تجد شيعياً يعمل في الجيش أو الشرطة. ألا يبدو هذا من أصداء الطائفية؟

صحيحٌ أن المعتصمين قد تصرفوا بشكلٍ أضعف من موقفهم، فترديد لشعار (الموت لآل خليفه) - بشكلٍ متكرر آذى الجميع. كذلك فقد استهدفوا رجال الأمن الباكستانيين وغيرهم من جنوب آسيا.

كل هذا يقود الى تطرف وعنف غير ضروري، حيث كان بامكان الملك أن يلاقي بعض مطالب المعتصمين من قبيل اقالة رئيس الوزراء والتوجه الى ملكية دستورية شبيهة بتلك التي في الأردن أو المغرب. لو فعل هذا ابتداءاً لقبل المعتصمين بهذه التسوية. عوضاً عن ذلك قامت العائله المالكه بالحديث عن حوارٍ لكنه لم يوصل الى تنازلات ذات قيمه، ولا تزال قوى الأمن تتصرف بوجشية حالها حال بقية الأنظمة في المنطقه.

لقد كتبتُ منذ أسابيع حول جراحٍ متميز وهو صادق العكري، حيث تم الاعتداء عليه بقسوة من قبل قوات الأمن. لم أتمكن في حينها من اجراء مقابلةٍ معه لأنه كان فاقداً للوعي، ولكني عدت فيما بعد للحديث معه وتعكس قصته لمحة من مأساة البحرينيين. فالدكتور العكري هو شيعي معتدل ويقول بأن أقرب أصدقائه هو سني، وقد كان هذا جلياً حين أخذ الدكتور العكري منذ فترة قريبه اجازة وظيفية من أجل مرافقة صديقه الى هوستن في رحلةٍ علاجيه. وفي الوقت الذي قامت فيه قوى الأمن بالاعتداء على المعتصمين، بذل الدكتور العكري جهوده من أجل اسعاف الجرحى. ويذكر الدكتور العكري أن قوى الأمن ألقت القبض عليه حينما كان يحاول انقاذ طفلٍ تائهٍ. حتى حينما كشف عن هويته، يقول الدكتور بأنهم قاموا باقتياده بشدة لدرجة أنهم حطّموا أنفه. وبعدها قاموا بانزال ملابسه مهددين باغتصابه في الوقت الذي كانوا يلعنون الشيعة فيه.

ان ربيع الثورات العربية الذي بدأ بخطى متسارعة في تونس ومصر يتحمل الآن شتاءاً وحشياً في كل من ليبيا والبحرين والسعودية واليمن. يستوطن الاسطول الخامس للولايات المتحده أرض البحرين ونملك علاقات جيده مع الحكومة البحرينية ولا أرى أننا سنسحب اسطولنا البحري من هناك.

لقد أبدت السيدة هيلاري كلينتون أسفها للعنف في البحرين، وعلى الادارة الأمريكية أن تتحدث بشكلٍ أكبر، وان تحلى الرجال والنساء في البحرين بالشجاعة للمطالبة بالديمقراطية، فعلينا أن أن نكون مثلهم أيضاً.

نشر المقال بتاريخ: 17 مارس 2011م.

الجمعة، 18 مارس، 2011

ظلامٌ في منتصف النهار ..




ظلامٌ في منتصف النهار ..
بقلم : علي بن سلمان العجمي (أبوكرار)

قصيدة تأبينيه لفقيد المجتمع الحاج الشيخ ابراهيم علي العصفور رحمه الله:

ظـــــلامُ الليــلِ خيّمَ بالنهــــارِ *** وضــــوءُ الظهرِ غـــادر بانكســــارِ
ومــذ لاحت جنازتـــهُ علينـــــا ***رأيتُ القـــــلبَ يـــلهبُ كالجمــــارِ
وخلتُ جنــــازةَ المرحـــومِ فُـلـكاً ***تَشُـــــــقُّ طَــريقها وسطَ البحـــارِ
كــــأني بالفقيــــد يمـــــدُ كفاً ***ليمســــــحَ لحظـــةً رأس الصغــارِ
ويســــري بعد ذلك دون مهـــــلٍ*** ليســــــــدل فوقه ثـــــوبَ الدثارِ
ويُعـــلي في مسامعنا بصمــــــتٍ ***بأن الموت يـــأتي كالشـــــــــرارِ
ليخطفَ دون تميــيزٍ وعــــــــذرٍ ***ويعمـــلُ حكمــــــــهُ دونَ اصطبارِ
فحقَّ لشـــــاعرٍ نثـــــــر الرثا ***وحـــــق له رثاؤك في الجهــــــارِ
فأين تركت غـــــوثــــك للحيارى ***ومــــن خـــــــــلفتَ للشدد الكبارِ
وأين ذهبت بالبسمــــــاتِ عنّــــا ***وفيما تركت أثـــــــواب الوقـــــارِ
أهل دُفنـــت بلحـــــدٍ أم تُراهــا ***مــــــــواريثٌ ووقفٌ للديــــــارِ
ستبقى حاضراً في كل ذهـــــــــنٍ ***كمثلِ الضوء من خلــــــف الخمــــارِ
وتبقى(ذو الجنــــاحِ) بلا جنــــاحٍ *** فقد فقــــــــدتك رادوداً وقــــاري

* شمس في منتصف النهار كناية عن وقت تشييع الفقيد।
** ذو الجناح اشارة الى قصيدة عزائيه في نهاية عزاء ليلة العاشر من محرم الحرام، وتكون لختام العزاء وكان الفقيد من ابرز المشاركين في قرائتها في كل عام.
تم الفراغ من كتابة هذه الابيات في 16 مارس 2011م


في آخر مقابلة صحفيه مع الفقيد، كان هذا الحوار:
http://www.alhuda14.net/bulletin/?act=showarticles&id=215

رثــــــاؤكَ ..



رثـــــــاؤك
بقلم : علي بن سلمان العجمي (أبوكرار)

قصيدة تأبينيه لوالد المجتمع الحاج علي بن أحمد رحمه الله الذي توفاه الله في الهند:

رثاؤك كالجِمَــــار على لســـــاني *** ونعيُــــــكَ لا يُقـــومُ لهُ بيــــاني
وفقـــــدُك فَتَّتَ الأحَشـــــاءَ مني *** كَـــــأنّ المَـــــوتَ قَبــلكَ قد أتاني
وهَـــــدّ الـــرزءُُ مني كل رُكــنٍ ***وأوغـــــــل طعنهُ فوق الطِـــــعانِ
ومــالي لا أُهـــــدُّ وأنــتَ نجــمٌ ***تُضــيئُ محبةً فــــــوقَ الزمــــانِ
وتــــزرعُ بسمـــــةً في كل وجـهٍ ***تُقَـــابِــلهُ بثغــــــرٍ كالجِنــــانِ
عَهِدتُــكَ تُــوسدُ الأمـــــواتَ لحداً (1)***فكيـــف اللَّـــحـدُ ضمّـــك في ثواني؟
وكيـف تجبّـرَ (الشريــــــانُ) فـينا (2) ***ليخطف (ضِيقهُ) حُـــلّو الأمـــــــاني
لتلتفَ الحـــــروفُ على الحـــروفٍ ***وتنســـــجَ بالرثـــا يُـتْـمَ المعــاني



تم الفراغ من كتابة هذه الابيات في 2 يناير 2011م

لقراءة المزيد عن المرحوم فقيد المجتمع :

http://www.alhuda14.net/vb/showthread.php?t=23333

الثلاثاء، 11 مايو، 2010

أنا وكرار ونحوسة الأربعاء


بسم الله الرحمن الرحيم


قلةٌ هم من يعرفون بأني كنتُ أجد في يوم الاربعاء يوماً نحساً للغايه، ومصدر هذا التشاؤم كتابٌ ديني قرأتهُ وكان يتحدث عن الايام وجاء في توصيف الاربعاء بأنه يومُ نحس وشؤم. ومن يومها وأنا أتشائم من هذا اليوم بشكلٍ عجيب للغايه. وأمتدت الأيام .. ونحوسة الاربعاء تكبر معي، ولا أدري هل أن ربطي للتشاؤم بالاربعاء هو مصدر ما كان يعتريني من حظٍ غير موفق في أيام الأربعاء أم أن الاربعاء كانت فعلاً مصدراً للشؤم كما أخبر الكتاب!

على كلٍ، لا أنوي تخصيص الموضوع – بعد أسابيعٍ عجاف لم ادون فيها شيئا- للحديث عن الاربعاء ونحوسته، ولكن حلول الذكرى السنويه لميلاد كرار هي ما أعادت الى ذهنيتي "نحوسة الاربعاء" ؛ اذ أن ولادة كرار في يوم الاربعاء قد بددت كل نحوسةٍ في يوم الأربعاء والحمد لله. وفي هذا الصدد أنوي تدوين ما كتبته في مذكراتي أبان ولادة ولدي البكر كرار عندما كنتُ في استراليا. فاليكم ما كتبتُ حينها:

يومٌ من باقة الأيام الذهبيه
الأربعاء غرة جمادى الأولى 1429 هـ ، 7 مايو 2008 م

هو يومٌ خياليٌ بكل الحدود، ليس لكثرة خيالاتي فيه، بل لأني لم استوعب عالم الحقيقه في هذا اليوم، فقد كان فوق مستوى الخيال الا أنه كان حقيقه. تفاصيلُ الحدث بدأت صباحاً، حيثُ حاولت الاتصال بزوجتي ولأكثر من مره الا أن محاولاتي لم تنجح، فقمت بارسال أكثر من رساله لعلها تيقض أنامل زوجتي للرد عليها وهي التي لم تكن تقطعني برسائلها واتصالاتها، لكن محاولاتي لم تتكلل بالنجاح.

قررتُ حينها مهاتفة أختي للاستفسار عن الأمر، الا أنها لم توضح لي أي جديد واكتفت بالقول أنه ربما تكون نائمه خصوصاً وأنها لم تنم جيداً في الليلة السابقه. عدتُ أدراجي الى أوراقي المتناثره على طول الغرفه وتناولت أحداها وصرتُ أقرأ فيها حتى وصلتني رسالة من عمة زوجتي تقولُ فيها :

"زوجتك الحين في غرفة الولاده ادعيلها"

كان الخبر كصاعقة نزلت علي اذ ايقض قوى التوجس والريبة لدي، ولم أتمالك نفسي. حاولت العمه طمأنتي معللةً الوضع بأنه في يسر وعافيه وسيمر سريعا الا أن كلامها لم يخمد العواصف الفكرية في ذهني ولم تأد دموعي التي تحادرت من هول الأمر، فقد كان الأمر يحمل في طياته مؤشراً على خطورةٍ صحيه على زوجتي. (كانت زوجتي حينها في شهرها السابع من الحمل).

ولأني لم أملك – ولا أملك – سوى الدعاء، فقد حلوتُ بربي مناجياً ومتضرعاً كي يسهل أمرها ويحفظها وجنينها وأن يدفع عنها الأخطار. وتناولت زيارة عاشوراء متوسلاً بسيد الشهداء (عليه السلام) وبصاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف). ثم شرعت بعدها في قراءة دعاء علقمه الذي ارتاحت نفسيتي عقب قرائته وهدأت سريرتي (أحسست يومها بروحانيةٍ عاليه واستشعار لمضامين الدعاء) وامتلكت القوه للعوده الى مذكرات الدراسه، الا أن التوجس كان كبركانٍ يثور بداخلي وقد طلبت حينها من بعض المؤمنين الدعاء لها.

لحظة بددت الصمت:

بعد طول ترقب، اتصلت بي أختي الصغرى تقول بصوتٍ متقطع – لرداءة الشبكه- "مبروك جالك ولد"، ولأني لم أستوعب الحدث طالبتها بالاعاده أكثر من مره وأصريت على أن تقسم بالله – وقد أقسمت- لأحادث بعدها أمي وأخي محمد، الا أن مشهد أمي كأن أكثر تأثراً حيث لم تستطع أن تحبس دموعها وبكائها وهي تبارك لي. (حمدتُ الله على ما رزقني ولم أطل التفكير في اختيار الاسم، فقد طلبت من أخي محمد أن يسميه – وأن يعلن اسمه- كرار. كان اسم كرار الخيار الاول وقد تشاطرت الاسم قبل أن يولد كرار بفترةٍ طويله وقد أعجبت به. ويحوي الاسم في طياتها مضامين كثيره خصوصاً وأنه اسم بطل الاسلام الابرز والمحامي الأول عنه الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، ويعني الاسم في اللغه الفارس الذي يكر على الخصم فلا يتقهقر ولا يتراجع ولا يفر من الزحف).

كرارُ كم أهوى معانقة السماء *** مذ أن ولدت لفرجت وسعادي

وهنا علقت في نشوة اللاشعور في منطقةٍ بين الواقع والخيال؛ اذ أني أصبحتُ أباً لكرار .. نعم من الآن فصاعداً أنا أبو كرار العجمي الذي لطالما حلمتُ به وسعيتُ لأن يكون على نهج الأمير عليه السلام.

انتظرت لساعاتٍ قليله حتى تمكنت من محادثة زوجتي العالقه بين أضلاع السرير وهي تهمس بفرحتها بكل نسمات الشوق والمحبه لثمرة زواجنا. ميلاد كرار بالاربعاء بدد "نحوسة يوم الأربعاء" التي كنتُ أعتقد بها.

كانت الذكريات السابقه ذكريات عذبه مرت بخاطري وأنا أحتفل بذكرى مولد كرار الثاني في يوم الجمعه (7 مايو 2010)، في وسطٍ مغمورٍ بالأهل، كتبت فيها قصيده على نفس لحن انشدة عيد الميلاد قلتُ فيها:

أشرقي يــــــا بســــــــمتي
وأغربي يـــــــا ظـــــــــلمتي
فبـــــذا اليـــــــــوم البهي
جـــــاء كــــــــــــــرارُ علي



صورة التقطت لولدي كرار بعد يومٍ من ولادته (7-5- 2008م)






الاثنين، 18 يناير، 2010

أرسلها ل9 والا ....؟!!





صبيحةَ هذا اليوم، تلقيتُ رسالةً من قريبٍ لي افتتحت بتمجيد الله وتعداد مجموعه من اسمائه العظمى واختتمت بعبارة (... أرسلها ل 9 أشخاص واسمع خبراً سعيداً غدا. لو تجاهلتها يصيبك حظٌ سيئ ل9 سنوات وقد ثبت أنها حقيقة. لا تخاطرانها باسم الله).


أعادتني هذه القصه سنوات للوراء أيام المدرسه، عندما كانت تمرر علينا أوراق عن فتاة رأت السيده زينب في منامها، وتختم بأن على كل من يقرأ القصه أن يكتبها 16 مره والا رافقه الحظُ السيئ او فقد قريب أو خسر تجاره وعاضد هذا الاعتقاد ما كان يلازم هذه القصص من استشهادات لاشخاص عملوا بأمر الكتابه واشخاص لم يعملوا بها، وتقسموا (فريق في الجنة وفريقٌ في السعير).كان الامر حينذاك شبيهٌ بالازمه فانت امام خيار لا ثاني له وهو ان تنسخ تلك الورقه كتابةً وأن تبحث عن من تلصقه بتكليف كتابتها فيما بعد. لربما نشط ذلك مهارة النسخ لدينا لكنها بالمقابل لا شكَّ أنها خلقت لدينا عقده من الكتابه في ذلك الوقت.



تمتاز هذه الرسائل بالتالي:


1- محتواها الديني: فمضمونها اما قصة تربويه تقوي عقيدة الانسان في الله، أو عباره كعبارات التوحيد وما شابه.


2- وجود الترغيب والترهيب: حيث انك ان ارسلت أو كتبت فانك ستلاقي الجزاء الفلاني وان تخلفت فستجد العقاب الفلاني.


3- عظم حجم الجزاء والعقاب: فالجزاء قد يكون حظأً سيئاً أو نقوداً او موفقيه في الحياه، والعقاب اما موت قريب أو حظٌ سيئ يرافقك مدى الحياه.


4- الاثباتات: تسعى هذه الرسائل لاثبات صدق الجزاء والعقاب من خلال شواهد لاشخاص عملوا او لم يعملوا، فتارة رجل اطيل عمره، وتارة رجل فقد وظيفته ن وهلمّ جرا.


5- نوعية الاشخاص التي تتناقلها: تمتاز بمستوى علمي متدني في كثير من الاحيان.



والنتيجه اشخاص يرسلونها بكميات هائله ، والربح في جيوب شركة الاتصال. أذكر ان احدهم قبل مده ارسل لي رساله شبيهه، فأعدت ارسالها اليها حاذفاً المقطع الاخير منها ومضيفاً عبارة (أرسلها ل5 أشخاص وستخسر 50 بيسه).


علماء الدين يؤكدون كون هذه الرسائل من الاراجيف ويحذرون الناس من الانجرار خلفها. قد يتبادل البعض هذه الرسائل بحسن نية ولكن مهلاً حُسن النيه هذا يسمى سذاجه واستغباء، فان كانت النيه طيبه فبالامكان ارسال حكمه او قصة هادفه واستبدال المقطع الاخير بحديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم (الدالُّ على الخير كفاعله) دون تلك الصيغ الالزاميه او قصص الرعب تلك.



علينا ان نعيش بوعي أكبر مع هذه الرسائل بدل تناقلها بيننا، وارعاب بعضنا البعض!!!



مع مودتي،،،








الأحد، 20 ديسمبر، 2009

قصيدة يتيمك


قصيدة : يَتيمُــكَ
بقلم / علي بن سلمان العجمي (أبو كرار)


في كربلاء الحسين (عليه السلام)، لا هوية الا الدم، ولا ابا الا الحسين عليه السلام، ولا يتم الا فقد الدين في السادات، كما قلتُ في قصيدةٍ سابقه..



امسح بــرأَسي مَسحَــةَ الرُحَمَـــاءِ
فأَنا يَتِيـــــمُكَ والعَـــزاءُ عَــزائي
واجعـــل دموعي في رثـاكَ غــزيرةً
تجري بكــلِّ صبيحــــةٍ ومســـاءِ


******

خُـذنِي وَجَـدِّد (كَربَـــلا) بِـمَـدَامِعي
لأُشَـــــاركَ السَبـعَ العُلى بِبِكَـــائِي

خُـذني أُرَوي أَكبُــداً ظَمـئَى بِهــــا
قَـــــد رُوِّيَـت بِشفا القنا لا المَـــاءِ

خُـذني لحَيــثُ تَـلاحَقَت أَرواحُـــكم
و (المــــوتُ) يــلـــحقكُم بلا استحياءِ

فأظلـــكُم جَيشٌ كَـــــرملٍ بالفـلا
مِن مَعشَـــرِ الفُسَّـــاقِ والطُلـــقاءِ

نَسَجُـــوا (لِدُنيَاهُـم) ثِيَـابَ هَـــوانِهم
ونَسَجتُــمُ (للـدينِ) خَيـــــــرَ رِدَاءِ

تَاللهِ لا أَنسَــــاكَ فِيـهم هــــاتفاً
(يا قَــومُ أَينَ عُهــودَكُم بوفـــائي؟!)

(أَولَــــم يُوَصِّي بِنَا الرسولُ فَمَــالَكُم
قَــد مِـلتُمُ (للطِخيَـــةِ العَمــيَاءِ؟!))

فأتى الجـــوابُ (بـأسهــُمٍ) في جوفها
تغلي بغــلِّ سقيــــــــــــفةٍ بغضـــاء

فقضت جمـــوعُ المـــارقينَ ديونها
من آل أحمــــد خيــرةِ النجبـــاءِ

******


امسح بــرأَسي مَسحَــةَ الرُحَمَـــاءِ
فأَنا يَتِيـــــمُكَ والعَـــزاءُ عَــزائي
واجعـــل دموعي في رثـاكَ غــزيرةً
تجري بكــلِّ صبيحــــةٍ ومســـاء
ِ

******


خُذني الى حيـثُ الجســـومُ تَـقطعـََت
وَجِراحُهُا غـــــاصت الى الأحشـــاءِ

وتوزعت فوق الهجيــــرِ فلا تــرى
أثـــــــراً يُمَيـــزُها عن الهَيجـاءِ

فَغـــدوتَ تَعرِفُــهم بِعَـدِّ طعـــانهم
وبقَطعـــــةِ الأوداجِ والأعضــــاءِ

فهُنَـــــــاك لاحَ (البـدرُ) دونَ كُفوفه
والعينُ غارت في بُحُــــورِ دمــــاءِ

وهناك (شبهُ المصطفى) قــــد وُزِّعَـت
أَشلاؤُهُ بــالسيفِ في الأرجـــــــاءِ

وهناكَ (قــاسمُ) مشــــرقاً بجبينـه
متخضبـــــاً بالـــدمِّ لا الحنـــاءِ

وهناكَ (أصحابٌ) تــهاووا في الفـــداء
فتخـــالُهم (مَـطراً) مـن الشهـــداءِ

وهنــاك جُثَّةُ (والـــــــدٍ ورَضِيعَهُ)
وجِــراحُهُ جَلَّـــت عن الاحصــــاءِ

قد عالـــجَ السَـهمُ المثلثُ شَوقَـــهُ
فأصــــابَ قلــب المصطفى بالــداءِ


******


امسح بــرأَسي مَسحَــةَ الرُحَمَـــاءِ
فأَنا يَتِيـــــمُكَ والعَـــزاءُ عَــزائي
واجعـــل دموعي في رثـاكَ غــزيرةً
تجري بكــلِّ صبيحــــةٍ ومســـاءِ


******


خُــذني لحيثُ خيـامكم قــد اسجرت
فَبَــدَت (فواطمـــكم) لعيـــنِ الرائي

يتنــــاوبــــون لنَهبِـهِنَّ كَأَنَما
ذِئـــبٌ تَسلَــط في قَطيــــعِ جداءِ

فتـــصيـــحُ (واذلاهُ) زينبُ بعدكم
سيطــــولُ بعـدكَ يـا أخي شقـــائي

تَشكُـوا لــواعِجَهـا فَيَضرِبُ مـتنهـا
متذممــاً رجــــسٌ مــــن الأعداءِ

فتهيمُ في وجه الصعيد فـــــلا ترى
الا اللــــذي قــــد حزَّ في الأحشاء

وترى المحــــامي في التـرابِ معفراً
هـــذا لعمــــري أَعظـــمُ الأرزاءِ

فتقولُ عاتبـــةً كـــأن عتـــابها
يُحيي المــــوات كدعـــوةِ استسقاءٍ

أترى يهونُ على (كفيلي) أن يــــرى
ســـبيي وتسييــري الى الطلقــــاءِ

قــد كان في بَيتِ الرسُــولِ تخـدري
واليـومَ (ظـــهرُ الظــــالعاتِ) خبائي



الاثنين، 14 ديسمبر، 2009

قصاصات من الذاكره من حج بيت الله الحرام لعام 1430 هـ










بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم



تراودني فكرة الحج منذ فترة طويله، ولكن في هذا العام اجتمعت المراوده مع الاستطاعه والعزيمه فعقدت العزم لحج بيت الله الحرام، فكان ان حضيت بالتوفيق من الله عزوجل، وفي هذه القصاصه من الذاكره استعرض محطات هذه الرحلة العظيمه.



المحطة الاولى: فكرة وعزم:-


لم أطل التفكير في اختيار الحملة التي سأتوجهُ بها الى حج بيت الله الحرام، فسمعة "حملة الأنوار" بادارة الشيخ حسين العجمي تملك من الصيت ما شجعني ان اقصدها دون سواها، لا سيما وأن الاخ والصديق الغالي سعيد الرواحي من كوادرها ما زاد تشجعي للالتحاق بها. يتميزُ الشيخ حسين بطيبة غير عاديه وأخلاق رفيعه وابتسامةٍ مميزه كفيله بدفن أي موجة غضبٍ أو انفعال في وجهه، أي أنك وببساطه، لا يمكنك أن تنفعل أمامه فابتسامته وسعة صدره كفيله باحتواء المواقف المتشنجه، كما انه ليس من الناس الذين يكترثون للعائد المادي كما تفعل بقية الحملات وهذا ما لمسته شخصياً في الاسعار المقدمه و"خفايا خلف الكواليس لا يعرفها الكثير من الاخوه عن حملة الانوار". كذلك يمتاز كوادر الحمله بالتفاني في خدمة الحجاج بل لا ابالغُ ان قلتُ بأنهم يرون سعادتهم في خدمة الحجاج.



عقدتُ وزوجتي العزم وشاركني أخي عبدالامير وزوجته في الانظمام لحملة الانوار، وقمنا باجراء الفحوصات الطبيه اللازمه بما اشتمل عليه من أخذ لقاحات انفلونزا "الخنزير المزكوم"و "الانفلونزا الموسميه" و"لقاح الحمى الشوكيه". ولا ارى أنها قد أتت أكلها فلم البث في المدينة أمداً حتى أصبت بالانفلونزا كما سيأتي لاحقاً. فوجئت ظهر الثلاثاء (قبل اسبوع من انطلاق الرحله) باتصال من أخي محمد يخبرني بأنه قد عزم على الحج ولكنه يحتاج لاتمام بعض الاجراءات الاداريه وطلب مني ان أتصل بسعيد الرواحي بغرض حجز بطاقة للحج وقد جرت مقادير الامور على ما يرام وانضمت الى جمعنا والدتي -حفظها الله ورعاها- فكانت جمعةً لطيفه، اجتمع فيها أفرادُ اسرتي.


المحطه الثانيه: قبيل الرحيل:

لا ادري ان كنتُ قد أمضيتُ وقتاً طويلاً في التسوق لهذه الرحله، بل لم اشتري احراماً من عمان كما فعل بعض من كان معنا في الحمله، ولم يكن في بالي سوى فكرة أننا سنتغيب عن كرار - ولدي الذي لم يكمل عامه الثاني بعد - لمدة تقارب ال 15 يوماً. "أولادنا فلذاتُ أكبادنا"، ومن الصعب مفارقتهم، الا أن الهدف من الرحله كان أعظم من هذا الفراق.

أنصبت استعداداتي للحج في شقين:


الاول: سماع محاضرات روحيه عن الحج، كان ابرزُ محاضرٍ فيها سماحة الشيخ المربي حبيب الكاظمي.

الثاني: مطالعة الكتابات الفقهيه التي تتحدث عن مناسك الحج والاحكام الفقهيه المرتبطه به، فكان ان عثرتُ في موقع السراج على كتابين قيمية بصيغة PDF هما : كتاب المختصر الميسر في الحج والعمره للسيد عبدالهادي الحكيم والذي جمعه وفق اراء سماحة المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله الوارف وكتاب منتقى مسائل الحج والعمره - جمع الشيخ هاني البنا وفيه استعراض لاراء مراجع التقليد من الاحياء حول المسائل المستحدثه المختلفه في الحج والعمره. ولم انسى بالتأكيد ان اقوم بتحميل محاضرات الشيخ هاني البنا الصوتيه في شرح مذكرته التي قاربت ال200 صفحه. قمت بطباعة الكتابين في مكتبة شمس الولايه بصحم وقمت بعمل نسخ اضافيه اهديتها لبعض الاهل والاصدقاء، وباشرتُ بمهمة القراءه.


المحطه الثالثه: الطريقُ الى الحج العظيم:


لم تؤهلني ميزانيتي لأن اذهب في طائره، فكان الذهاب في الباص، والذي لا يخلو من الشقه والتعب في الطريق مهما كانت الباصات مريحه ومكيفه، ولكن أن يتكور جسمك ويتقوقع في مساحة لا تتجاوز السنتمترات لاكثر من يوم لهو امرٌ متعبٌ للجسم، ولكن تسليتي كانت في عبارة "الجزاء على قدر المشقه". طبعتُ ما امكنني من قبلات على وجه كرار قبل ان اركب الباص وانطلقنا في يوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2009 ميلاديه ووصلنا المركز الحدودي للسلطنه عند الظهيره فكان ان صلينا في المركز وأجلت الغداء قليلاً حتى دخلنا الامارات حيثُ لم نتأخر كثيراً في المركز، انطلقنا بعدها الى السعوديه.



أنطلقنا من الحدود باتجاه مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيثُ أنها كانت قبلتنا الاولى في بلاد الحرمين، ولكن قبل ذلك اندفنا في الصحاري السعوديه التي كانت بين المحطتين. وصلنا المدينة المنوره في مساء الاربعاء وكانت الساعه تشيرُ الى الثامنه مساءاً، وكان في انتظارنا الشيخ حسين بابتسامته العريضه التي غطت على بقية تقاسيم وجهه مع مجموعه من كوادر الحمله ممن تقدم الحمله للتهيؤ لاستقبال الفوج القادم من حجاج بيت الله الحرام.


المحطه الرابعه: المدينة المنوره:


أوتدت الحمله خيامها "الفندقيه" قرب الحرم النبوي الشريف وكان ذلك في فندق الاشراق المجاور لاسواق الحرم الملاصقه للحرم الشريف. وقد أعدت الحمله منشوراتها - اضافة الى الكتيبات التي تم توزيعها على كل الحجاج قبل السفر- ولكن ما لفت نظري رواية الشبلي مع الامام السجاد عليه السلام فهي بحق روايه عظيمه لانها تعلم كل حاج ان للحج ابعاد باطنيه ومعنويه عليه أن لا يغفل عنها منشغلاً بالمناسك الظاهريه، فالحج مدرسة للروح لا البدن.

فور وصولنا الى المدينة المنوره، انطلقت الدروس الفقهيه والتي كان يلقيها الشيخ ابراهيم حمد نجف العجمي من ولاية الخابوره، وقد كان يستعين بالتقنيه الالكترونيه لكي تصل المعلومه وترسخ أكثر. توزعت المحاضرات الدينيه في درسين صباحي (الساعه 11 صباحاً) ومسائي (الساعه التاسعه مساءًا)، وقد كان الشرحُ وافياً وكافياً.

تتميز المدينة المنوره، بهدوءٍ نسبي ونظافه عاليه مقارنةً بمكه المكرمه، الا أن أكثر ما ضايقني وجود بعض المتشددين الدينين وعلى الخصوص المنتشرين في مقبرة البقيع وقبر الحمزه عليه السلام بأحد. كنتُ أسعى أن الا أخوض في أي سجالات أو نقاشاتٍ حفاظاً على حرمة المكان الا أن المء لا يتمالك نفسهُ أحياناً وهو يسمع عبارات "الشرك" و"الكفر" تتطاير يمنة ويسره كسلاح كلاشينكوف في يد طائش يطير ذخيرتهُ يمنة ويسره.

أذكرُ أني استوقفتُ أحدهم مره وقلتُ له: "مالكم توزعون عبارات الشرك يمنة ويسره .. هل هي بهذه المجانية لتوزعونها على من تروه؟؟ ... دعوا كل مسلمٍ وعقيدته .. فلا اكراه في الدين .."

فقال لي: "الا ترى ما يقولون في كتيباتهم؟؟!"

قلتُ: وما يقولون؟


فوجدتُ انه يستشكل على بعض مقاطع الزياره واستخدام عبارة "عبدكم" في مخاطبة أئمة البقيع؟!


فقلتُ له: وما المشكل في ذلك، أتراك تستشكل على عبارة "عبدكم" .. ان كان كذلك فالقران ينقل عن لسان نبي الله يوسف عليه السلام قوله "( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) سورة يوسف/42 . وقد استخدم عبارة الرب، ولكن ذلك لا يعني ان من يقول عبدك يقصد العبوديه بكونه اله، والعربيه حافله بمعاني عبد فلما يزجُ بها في هذا الجانب فقط"

فوجم الرجل وحاول ان يحور النقاش، فتجنبت الاسترسال لاني عرفت ان الموضوع سيتحول الى سجال غير علمي ومراء، وأنا في غنى عن ذلك، ولكني قصدت شيخاً سلفياً غيره وخاطبته بكل هدوء بأن امتنا الاسلاميه الممزقه في غنى عن التكفير ورمي الناس بالشرك واننا أحوج ما نكون لرص الصفوف.

واستوقفني آخر، مستنكراً البناء على القبور وانه من اكبر البدع، فقلتُ له : قبر الشيخ زايد في الشقيقة الامارات المتحده مبني، فهل هم أصحاب بدع؟

قال: انا أتحدث عن المملكه لا غيرها من الدول؟

فقلت: حسنا التفت على يمينك لترى قبر رسول الله مشيداً، فاما ان بناءه بدعه وانتم تسمحون بها او ان بناءه لا اشكال فيه. الاعجب انهم بذلك يستهدفون المقدسات ليسووا بها الارض وكانهم يقصدون سلب هذه الاماكن المقدسه من رمزيتها في قلوب المسلمين متغاقلين عن نصوص قرانيه تحدثت عن بناء المساجد على قبور الاولياء كما حدث في قصة أصحاب الكهف، يقول تعالى:
( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا )

وتبقى لكل مسلمٍ عقيدته التي يعتقد بها دون ان يفرض عقيدته على الآخرين. على كلٍ، كانت المدينة المنوره محطةً جميلةً جداً وكانت الانفاس الروحانيه تفوح في جنباتها كنسيمٍ هادئ ليدغدغد المشاعر والارواح. وبدأنا الاعداد للمباشره بأعمال الحج بعد أن انهينا مراسيم الزياره.


المحطه الخامسه: مكة المكرمه:



يتحتم على كلِّ داخل الى مكة المكرمه ان يدخلها محرماً، ولكلٍ ميقاته، فلأهل الشام ميقات ولأهل العراق ميقات ولاهل المدينة ميقات وهكذا. والميقات هو المكان الذي يحرم الحاج او المعتمر الى مكه، ولأننا قصدنا المدينة أولاً فقد كان ميقاتنا ميقات مسجد الشجره، وهو قريبٌ من المدينه ويبعد عن مكه حوالي الاربعمائة كيلومتر. أدينا صلاة المغرب والعشاء في مسجد الميقات ثم شرعنا في النية والتلبيه وكم كان منظرُ البياض جميلاً في الميقات. يتوشح المسلم بثلاثة أقمشة بيضاء في حياته : قماطه الابيض، ولباس الاحرام، وكفنه الابيض، وكأنما مراحل حياته تختصرُ في هذه القطع من البياض.



وصلنا مكة المكرمه ليلاً وجلسنا نستريحُ لبرهه في العزيزية ثم توجهنا الى البيت الحرام لنؤدي مناسك عمرة التمتع. لم نرى أثراً للازدحام في ذلك اليوم ومرت مناسك العمره دون اي متاعبٍ تذكر. وكانت روحانيةُ المكان تخيم علينا خصوصاً واننا كنا نترنم بمقاطع لادعية عظيمة القدر لأئمة أهل البيت عليهم السلام كدعاء كميل وأدعية الصحيفة السجاديه للامام علي بن الحسين عليهما السلام. ما أجملهُ من شعور وان ترى الدموع تسبعُ في أعين الحجاج والمعتمرين ترتجي من رب السماوات غفران الذنوب واستئناف العمل.





أصبتُ في آخر يوم في المدينة المنوره بالانفلونزا، وعجبت لذلك خصوصاً وان جسمي كان حلبةً لابر التحصين التي لم تسمن ولم تغني من اصابتي بالانفلونزا مجددا، ولم يفك اللغز سوى الدكتور العراقي حيدر البياتي - وهو طبيب الحمله وكان لطيفاً للغايه، ما قصده مريض الا ورجع بأدوية ونصائح قيمه- حيثُ أخبرني الدكتور بوجود عدة انواع للانفلونزا وأنني حصنتُ ضد نوعين فقط. تواصلت معي الانفلونزا الى مكة المكرمه ، وكان ذلك من سوء طالع الاخ سعيد عبدالله العجمي، فقد كان يقابل سريري في مكة مباشرة، ولم يلبث الى أن أصبح هو الاخ مصاباً بها ولم تفلح كل الادوية التي أخذها في طرد الانفلونزا بعيداً عن جسمه، ويبدوا ان "فيروساتي" طويلة الامد خصوصاً ان لاحقت جسماً شديد الحساسية للانفلونزا كجسمه.





الى صعيد عرفه:



جاء يوم الثامن من عرفه، وقصدت الحرم في وقت الظهيره، حيث نزلت الامطارُ بغزارة، وكم كان الشعور جميلاً وانت تطوفُ حول البيت والامطار تنهمر عليك، وكم كنت اتمنى أن تكون مياه الامطار قد سحبت معها كل معصيه وذنب ارتكبته. وحان الليل وكنا بين ان نتوجه الى منى للمبيت فيها لما في ذلك من استحباب او التوجه الى عرفه حتى لا تقطع الامطار والوديان طريقنا خصوصاً وان الجو كان متقلباً، فلجئنا لخيار المبيت في عرفه، وتوجهنا الى حدود مكة القديمه للاحرام من هناك. كان من سوء طالعنا ان الخيام كانت مبللةً بمياه الامطار، فلا سماء تقلنا ولا ارض، فافترشنا شنط النوم (Sleeping bags) وتكورنا فيها ولم يضايقنا سوى تواقيع البعوض على أيدينا في صبيحة اليوم التالي.



كان الشيخ محمد سعيد التتون يتولى مهمة الاشراف الديني في مكة المكرمه اضافة الى الشيخ ابراهيم نجف، وقد أمنا في صلاة الظهرين بعد ان افسح لنا المجال للاتيان بصلاة جعفر الطيار، ثم حان وقت عروج الارواح في الحج الاكبر (عرفه) ولم نجد براقاً أسرع من دعاء الحسين عليه السلام في يوم عرفه، حيثُ أم اسماعنا الرادودين حسن الناصري ونزار الدرازي بعد وقفنا تحت السماء كما هو الاستحباب. كانت حنجرةُ الرادود حسن الناصري شجيةً بما يكفي ليجعلك تعيش مضامين الدعاء كلها، وكان يستدر الدمعة من جوف الصلعه دون اي مشقه ولذا لم يكن غريباً ان ترى الاعين تفيض بالدمع طوال فترة الدعاء رغم طوله. لم ننس يومها ان نغتسل قبيل الزوال لما في ذلك من استحباب مؤكد.



الى المزدلفه ومنى:



تهيئنا قبيل غروب شمس التاسع للتوجه للمزدلفه للمبيت فيها، ولم يضايقنا سوى الازدحام الشديد فيها لدرجة اننا وصلنا المزدلفه في حدود الساعه الحادية عشر رغم قربها من عرفه، ولعل علة ذلك هو انها المكان الوحيد الذي يلتقي فيها كل الحجاج في مكانٍ واحد ووقت واحد. شرعت بنية المبيت في المزدلفه والصلاة فور وصولي، ومن ثم توجهت لالتقاط الجمرات -لرجم الشيطان- جمعتُ الكثير ولكنها كانت كبيرة الى خدٍ ما كما شخصها الاخ سعيد الرواحي فنمت حتى الساعة الثالثه ثم استيقضت لالتقاط الجمرات فكانت هذه المره صغيرة الحجم مستوفية الشروط، من النوع الملون، وكنتُ استعين قبل كل مرحلة بكتاب المختصر الميسر في مسائل الحج والعمره فكان خير معين في رحلتي تلك. قارب الفجر على الظهور وتهيأنا لنية الوقوف في المزدلفه والتي تكون بين الطلوعين (طلوع الفجر حتى طلوع الشمس) لنلتحق بالجماهير المؤمنه التي قصدت منى لرمي الجمرات، حيث لم نصادف زحمة تذكر، خصوصاً مع وجود اربعة طوابق لرمي الجمرات، فرمينا الجمرات ومن ثم جائنا الاتصال يفيد بأنه تم ذبح الهدي بالنيابة عنا، وباشرنا بالتقصير، وعدنا بعدها الى السكن في العزيزية لنرتاح لبعض الوقت قبل ان نتوجه مجددا لنبيت النصف الاول في منى. كانت الايام الاخيرة ابتداء من ليلة التاسع من ذي حجه وحتى الثاني عشر منهكة لبدني لاستصحابي المرض وقلة النوم. قصدت مقر الكادر الصحي في المخيم العماني لاشتداد المرض بي وكان هناك أطباء في غاية اللطف والوداعه وكانوا كرماء بالادويه :)



لم تكن المشكله في الدواء ولكنها كانت مشكلتي اذ اني لم اخلد للراحه فور تناولي للدواء، ولذا فلم تكن الادويةُ ناجعةً في جسمي. ولذا فقد قضيتُ ايام الحج الكبرى والمرضُ يطوقني ككفٍ أحكمت الخناق على رقبتي لخنقي. كانت لقلة النوم اثرها البالغ اذ اننا كنا نتردد بين خيام منى والجمرات وسكن العزيزية وكانت المشي في أحيان كثر وسيلة نقلنا وحلنا وترحالنا.

استوقفني في الطواف الاخير مشهدين:

الاول: عندما كنت أطوفُ حول الكعبه كانت زوجتي امامي وكنتُ أسيجها بيدي كي لا ينال منها التدافع دون أن اتسبب في اذية اي من الحجاج، فاستغربت من أحدهم وقد أخ يصرخ استغفر ربك فما هكذا كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- يطوف ولا الصحابه، ولا ادري هل رأى طوافهم فحكم بالخلل في طوافي ام وجد اشكالاً شرعياً في ذلك، رغم اني كنت احميها من التدافع دون ان اتسبب في اذية الاخرين خصوصاً وان اذية الحجاج في الطواف لا تجوز، تجاهلتهُ ليقيني بعدم وجود اشكال فيما كنت افعله.

الثاني: كنت اردد الصلوات على النبي واله بصيغة (اللهم صل على محمد وآل محمد) في اثناء السعي فسمعتُ أحدهم من خلفي -وكان مصري الجنسيه- يصرخ في قائلاً (يا راجل .. محمد ده مين؟ .. آوول "قول" اللهم صل على سيدنا محمد)، ولم التفت لما قاله لانشغالي بالسعي ولم اشأ ان احول السعي الى جدال عقائدي حيثُ اني لم ارى اي اشكال في عبارتي للاعتبارات التاليه:

1- قولي (مُحَمَد) تختلف عن مخاطبة الشخص العادي باسم محمد لاننا لا نضع الحركه في المخاطب العادي، فبالتالي الامر جلي والمخاطب نبي الامه صلى الله عليه وآله وسلم.

2- في الصلوات الابراهيميه وهي التي جاءت بها السنه نقول (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم ...) دون ضرورة لاضافة سيدنا.

3- في عبارة الرجل التصحيحيه، ذكر الرجل النبي صلى الله عليه واله ، واستثنى آله والصلاةُ التي يستثنى الال منها- كما ورد في الاحاديث النبويه - هي صلاةٌ بتراء.

طوال هذه الفتره، كان الحنينُ الى كرار يغلبُ علي وعلى والدته وكان حاضراً معنا طول الوقت، الا انه كان يبخلُ علينا بصوته اذا اتصلنا به، وجل ما كان يفعلهُ هو الابتسام لمن امامه. التفتُ في احدى المرات وقد انتهينا من رمي الجمرات الى وجه أم كرار الغاليه، فاذا عيناها مغرورقةً بالدموع، فسألتها عن السبب فأخبرتني بأن شوقها لكرار قد هاج. حاول طمأنتها وبث السكينة الى قلبها، ولكن بقية النسوة في الحمله التفتن وقلن ما بها؟ قلتُ: كرار! قلن : خير .. وش فيه ؟ (بلهجة فزعٍ وجزع)، فقلتُ لهن: الحمد لله .. لكن شوقها قد زاد .. فحاولت ان ازيح غمامة الحزن عن وجه ام كرار واقلب المشهد الى مشهدٍ مفرح ، فقلت - بصوت النعي الحسين- ملتفتاً الى من التفت من النساء ..(تخيلوا اولادكن الان .. كيف حالهم ..) فانقلبت الدمعة الى ضحكه في وجه ام كرار.



محطة العوده:

فور انهائنا لرمي جملة العقبه في يوم الثاني عشر من ذي الحجه، عزمتُ على التوجه الى البيت الحرام للتودع منه وكان الوقت وقت الظهر، فاستقليتُ وزوجتي وسعيد عبدالله سيارة الاجره، طلب صاحبها مبلغاً وقدرهُ 60 ريالاً سعودياً ليوصلنا ولم نكن في مزاج للتفاوض حول السعر ليقيننا ان الاسعار تقفز هذه القفزات في هذه الايام. فوجئنا بعد تحركنا اننا قد علقنا في زحمةً لا تنتهي حتى المغرب رغم محاولات السائق اختصار الطريق، فطلبنا منه أخذنا الى السكن مجدداً كي لا نكون سبباً في تأخير الحمله، الا انه ادخلنا في زحمة جديده، فطلبنا منه التوقف وقفلنا عائدين مشياً عن الاقدام.


طوال فترة الحج، لم انشغل ولا زوجتي بملاحقة الاسواق كي لا يعكر على شعيرة الحج ولو على المستوى المعنوي، وفي حين كانت قوافل (الزواره) تزاحم الغرف، كانت رواحلنا خاليه، ولم اجد سوى اليوم الاخير متنفساً لي في سويعاتٍ بقين قبل تحرك الحافله لشراء بعض الهدايا التذكاريه. ودعنا الحرم المكي من بعد، والامل يحدونا للعودةِ مجدداً الى الديار المقدسه في الاعوام القادمه باذن الله.