الأربعاء، 11 فبراير، 2015

براهمةُ العالم ومنبوذوه للدكتور علي الأمين المزروعي



براهمةُ العالم ومنبوذوه: دراسات في النظام الاقتصادي العالمي

المؤلف: علي الأمين المزروعي

ترجمة: أحمد حسن المعيني
عدد الصفحات: 114
كتاب نزوى - مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان

 

توطئة:

على الرغم من أن المقالات الأربع المبثوثة في كتاب الدكتور علي المزروعي تَرجعُ زمنياً الى حقبة أواخر الثمانينات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، الا أن نضارتها لا تزالُ غضة حيث ينطلقُ المزروعي في قراءةٍ تحيلية لمرتكزات النظام العالمي وتعاطيه مع دول العالم الثالث، في قراءةٍ قد تكونُ أثارها باقيةً الى أيامنا هذه، وهي على كل حالٍ مقالات "يجب أن تقرأ في سياقها الزمني" ص15.  وعلى الرغم من أن المترجم أحمد المعيني قد افتتح التقديم بوصف المزروعي "عماني الأصل" إلا أنه لم يسترسل في تأصيل صحة نسبة هذا الانتماء أو نفيها، خصوصاً وأن المزروعي يعنون نفسهُ في إحدى مقالات الكتاب بأنهُ كيني (ص 79). على كلِّ حال، فقد كان إختيار المترجم للدكتور المزروعي موفقاً ويشكل إضافةً قيمةً للمكتبة العربية من خلال الوقوف على رؤى باحثٍ أسهم في تغيير الصور النمطية عن العالم الثالث وعلاقته بالغرب.

 

الفصل العنصري العالمي (الدين والعرق في النظام العالمي الجديد):

يفتتحُ الكاتب المقالة الأولى بالحديث عن شكلين من القبلنة المعاصرة: الأولى وهي قائمةٌ على الانتماءات العرقية وتتركز  في شرق أوربا تقابلها قبلنةٌ جامعه ملتحفةٍ بالوعي العرقي في غرب أوربا. ويثيرُ بعدها تساؤلاتٍ عن تشكل الفصل العنصري العالمي اذ يبدو أن "المسلمين هم ضحايا الجانب العسكري من النظام العالمي الجديد في حين أن السود هم ضحايا الجانب الاقتصادي من هذا الفصل العنصري العالمي الذي يتشكل" ص  18 وهكذا أضحى "المنبوذون" لقمةً سائغةً بين أنياب "البراهمه".  فعلى الجانب العسكري وتحت مسمى "التعامل مع الأرهاب القادم من العالم الاسلامي"، أطلقت الزعامة البيضاء العنان لأدوات تدميرها للبطش بأرواح الابرياء في العراق وايران وليبيا و مصر وساعد على ذلك أن الحرب الباردة بين القطبين الاشتراكي والامبريالي بدأت تضعُ أوزارها.

 

وعلى الجانب الاقتصادي فقد أدت الهوية الأوربية المستعلية إثنيا الى كوارث اقتصاديةٍ في أفريقيا جعلتها "تنتجُ ما لا تستهلكه وتستهلكُ مالا تنتجه" ص 27 كما جعلها عرضةً لمخاطر  بيئية  شتى. ومجدداً فقد أفضى غياب المعسكر السوفيتي الى جعل الدول الأفريقية مفتقرةً إلى التأثير في المشهد العالمي، "فالعالم بقوةٍ عظمى واحده عالمٌ يقلُّ فيه تأثير الدول الصغرى" ص28. ويخلص الكاتب في المقال الأول الى أن العرق والدين لا زالا قوتين مؤثرتين في معادلات الشؤون العالميه.

 

الدولة الفرانكشتاينية  والنظام العالمي:

ويستعرض المزروعي في مقالته الثانية بالحديث عن مفهوم  الدولة ذات السيادة (sovereignty state)– أو المسخ الفرانكشتايني نسبة الى المسخ في رواية فرانكشتاين كما يحلو  له تسميته-  والتي تملك "امكاناً هائلاً على تدمير الجنس البشري الذي أنتجها" ص 34. وقد نجح هذا المسخ في اغراق الطبقات المحرومة والحركات الاجتماعية وحركات التحرر في العالم الثالث في مستنقع الدولة ذات السياده تحت إغراءات "الاستخدام الشرعي للقوة المادية" ص 37 فجعلها توظف أدوات العنف لديها لإحتكار ومصادرة الرأي، فانقرضت على الأثر كثيرٌ من الحركات الاجتماعية في مناطق العالم الثالث. وعلى صعيدٍ موازٍ ، فقد تكررت نفس المأساةِ في دول العالم الإشتراكي. فمن أجل تقليل نسبة المضطهدين ، فإن على الطبقة الأكبر عدداً أن تستلم الدولة، وإن كان الاستبدادٌ أمراً لا بدّ منه، فليكن استبداد الأغلبية! وهكذا توسع نطاق المضطهدين ليقعَ في شِرَاكِه حتى زعماء الدولة أنفسهم، ليُكرس واقعاً مفادهُ أن استيلاء "أي قسمٍ من الطبقةٍ العاملة على السلطة سيحوّلُ وعيّه الى وعيٍ دولاتي – من الدولة" وأن "من يستولي على الدولة تستولي عليه" ص 40، حيث يميل الى قمع "الزملاء العمال والإخوة المواطنين" كقربانٍ على مذبح "بقاء الدولة". ولم يكن هذا التحول ببعيد عن الكيان الاسرائيلي والذي ولد من رحم حركاتٍ اجتماعية تحولت بعد تلوثها بنظام الدولة الى عسكرةٍ صرفه.

 

وتقود مقاربة الأثر السلبي للسيادة للحديث عن الأمم المتحدة المتولدة تاريخياً من الحرب العالمية الأولى وعمليات التحرر من نير الاستعمار، فقد سقطت في شراك الامبريالية  فتفاوتت مجالات التفاعل بينها  وبين أفريقيا  بين كونها "قوةً إمبريالية جمعية وكحليفٍ للتحرر" الى "شريك في التنمية وضحية للقوة الغربية الإمبريالية" ص45. وعلى عكس ما تمنى المؤسسون الأوائل للأمم المتحدة، فقد أصبحت الأمم المتحدة - أو المالك الامبريالي الغائب بتوصيف المزروعي-"امبراطوريةً أمريكية بالصدفة التاريخية لا بالتخطيط" ص46 اثر إنحسار بريطانيا وفرنسا وهزيمة اليابان وألمانيا وعاضدهُ على ذلك التنامي الاقتصادي لأمريكا وهزيمة القوميين الصينين ودوران سياسة الحكومات في أمريكا اللاتينية في الفلك الأمريكي، وفعّل هذا النفوذ الأمريكي وجود مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وقربهِ من دوائر صنع القرار في أمريكا.

ويختم المزروعي مقالته الثانية بتساؤلٍ حول مدى التحول الذي قد يطرأ على الدولة ذات السيادة في حال تغير النوع الاجتماعي المهيمن عليها في إشارة خاصة الى النساء. ويدفعهُ لهذا التساؤل فرضية أن "النساء لا تطلبُ أكثر من المساواة إذ  أن طموحهن الأقصى هو تحقيق مساواة تشملُ الرجال أيضاً" ص  54 تحت قيم التوازن والتكافئ والمشاركة بعيداً عن هاجس الاستيلاء على الدولة. ويحدو المزروعي الأمل بأن دخول النساء في هذا المعترك سيحدثُ تغييراً لمفهوم "الاستخدام الشرعي للقوة المادية" بحكم أنهن أقلُ عنفاً من الرجال وكون العنف "تراثاً ذكورياً أكثر منه أنثوياً". ولا يكفي هنا – حسب رؤية المزروعي-  أن تصل المرأة الى أعلى هرمٍ في السلطة كما حصلَ مع جولدا مائير وأنديرا غاندي وتاتشر، التي اضطررن لمجاراة الهيمنة الذكورية والتلبس بها، بل إن المطلوب أن تكون المرأة بمنأى عن تفاعلات البنية الذكورية. وتبعاً لذلك، يخلص المزروعي الى أن مصير العالم يعتمد على إشراك المرأة أكثر في صنع قرارات الحرب والسلام والانتاج والاستهلاك من أجل إسقاط المسخ الفرانكشتايني والتحول الى نظامٍ أقرب للإنسانية.   

 

أخلاقيات القوى العظمى (منظورٌ من العالم الثالث):

ويقارب المزروعي في مقاله الثالث كيفية تشكل الميول الأيدلوجية لأخلاقيات القوى العظمى التي تعيش – كما يرى- تناقضاً بين ما تُنظِّرُ لهُ أيدلوجياً وبين واقعها. فعلى الرغم من أن الشيوعية تطرح فكراً "بإعادة توزيع القوة الاقتصادية لصالح المعوزين" ولكن دورها في التنمية الإقتصادية في العالم الثالث "أو الأمم المعوزة" يبدوا ضئيلاً وخجولاً أمام الغرب. ولئن أسهمت بعض الأسباب الخارجية في تكريس هذا الدور للمعسكر السوفيتي الشيوعي مثل (1) تحكم الرأسمالية العالمية بالنظام العالمي،  و(2) تفوقها في عبقرية الإنتاج وجودته و(3) تفوق الغرب في ميدان تقديم المساعدات الخيرية، إلا أن هنالك معوقاتٍ أيدلوجية رسخت هذا الدور الضئيل للمعسكر السوفيتي الذي ينظر للكوارث الإقتصادية في العالم كنتاجٍ للإمبريالية العالمية، وفي حين توجه الغرب للتكفير عن خطيئته هذه من خلال المساعدات الخارجية، نرى أن المعسكر السوفيتي اتجه الى تقليص هذا الدور عبر إلغاء مؤسسات التبشير الكنسي في العالم الثالث. ويدفع المعسكر الإشتراكي لهذه الرؤية قناعتهُ بأنه "لا ينبغي للدول الإشتراكية لأن تخلّص الغرب من مواجهة مسؤلياته بعد الإستعمارية في تلك المناطق" ص 65. ومن جهةٍ أخرى فإن المعسكر السوفيتي يعتقدُ "بأن ضروف التأخر هي أرضيةٌ خصبةٌ للثورة الإجتماعية" ص 66.

 

ولئن تباين موقف المعسكر السوفيتي بين تنظيرهِ وواقعه، فإن هذا التباين قد شمل أيضاً القوى الليبرالية التي تحولت شيئاً فشيئاً الى الإمبريالية. فعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة نشأت من رحمٍ ثوري هادفٍ الى "إعادة توزيع القوى السياسية لصالح الأمم المهمشة"، الا أن رِيَبَتها بعد تنامي القوى السياسية داخلياً انعكست خارجياً عبر حيازة القوة السياسية ووجعلها تكتسب مخالب الإمبريالية، بحيث أضحت ذات حساسيةٍ مفرطة تجاه الحسابات الإستراتيجية كما حصل في فيتنام. وعلى صعيدٍ آخر، فقد تملّك الولايات المتحدة هاجس "القدر المتجلي"  والهادف للتوسع في القارة الأمريكية ولو كلفها ذلك الإنحدار الأخلاقي، فتراها اشترت "لويزيانا" من فرنسا و"الآسكا" من روسيا، وألحقت "كاليفورنيا ونيومكسيكو وتكساس"، على الرغم من أن هذه الأراضي لم تكن أراضِ جرداء بل كانت مأهلولة بالسكان، بحيثُ أن تلك العقود شملت الأرض وقاطنيها من البشر. وقد طال هذا الفساد المعسكرَ السوفيتي مع فارق أن الإتحاد السوفيتي مارس "قوته الإمبريالية في أوربا، وقوتهُ التحريرية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع ممارساتٍ مختلطةٍ في آسيا بين استعمارية وتحريرية" ص70 حتى أقدمت في عام 1979 على أكثر أعمالها الإمبريالية وهو احتلال أفغانستان وانتهاك سيادتها. وان استثنينا هذا التعدي السافر لروسيا في أفغانستان، فإن الروس مارسوا دوراً تحريرياً كبيراً في العالم الثالث وقد دفعها لممارسة هذا الدوركل من:

(1) تحالف القوى القومية في بلدان العالم الثالث مع الإشتراكية، و

(2) التقارب الأيدلوجي لفكر لينين مع دول العالم الثالث، و

(3) سعيها لإحداث تدخلات في تلك المجتمعات في مرحلة ما بعد الإستعمار و

(4) حاجتها للعملة الأجنبية.

 

ولا يمكن الجزم هنا بأن ذلك الدور ناشئٌ من النفاق، بل قد تكون له أرضيةٌ أخلاقية دافعة لهذا الحراك. الا أن القوى العظمى من خلال هذه الأدوار قد تباينت أدوارها، وعلى عكس أيدلوجيتهما، فقد "كانت الولايات المتحدة أكثر حتميةً إقتصادية من الاتحاد السوفيتي،  وكان هذا الأخير أقرب الى دور المحرر من الولايات المتحدة" ص 73.

 

أما على صعيد أخلاقيات الأمن العسكري، فقد عاشت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي نفاقاً أخلاقياً وازدواجاً في المعايير في الميدان العسكري خصوصاً فيما يتعلق بالتعاطي مع الإرهاب والسلاح النووي.  ففي الموضوع الأول، يقدم المزروعي قراءته للارهاب على أنه "شكل آخر من أشكال الحرب- ليس أقل من الحرب التقليدية أو النووية، وهو أقل تدميراً بكثيرٍ في نطاقه" ص 74 ويقدم أربعة أصنافٍ منه عكست ازدواجية المعايير للقوى العظمى:

1-            ارهابٌ غير مدعومٍ من دول.

2-            إرهابُ دولة.

3-            إرهابٌ مدعومٌ من دولة.

4-            إرهابٌ متسامحٌ عنه من الدولة. 

ولئن كان الصنف الأول وهو ممارسةٌ للضعفاء لتحقيق بعض المكاسب محل إدانةٍ من القوى العظمى، فان الصنف الثاني كان ينجو من الفحص الأخلاقي الدقيق كما حصل في ارهاب الكيان الاسرائيلي على الفلسطينين واللبنانين وما حصل مع ارهاب الولايات المتحدة في ليبيا عام 1986م، والارهاب السوفيتي في أفغانستان. أما الصنف الثالث، فنرى أن الولايات المتحدة وليبيا تدعمان حركات عنفٍ تستهدف الأبرياء كما حصل في دعم الكونتراس ضد الساندينيستا في نيكارجوا ودعم جبهة جوناس سافيمبي لتحرير أنغولا. أما الصنف الرابع فقد بدى جلياً في غض الولايات المتحدة الطرف فيه عن الجيش الجمهوري الايرلندي الهارب من العدالة البريطانية بتهم الإرهاب. ويبرز هذا الازدواج في عدم وجود غضاضة لدى واشنطن في حماية فرنسا لإرهابيين أوربيين في حين تثور ثائرتها ان كانوا شرق أوسطيين!

 

وعلى صعيد أخلاقيات السلاح النووي، فنجد أن "اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي برمتها كانت مبنيةً على مبدأ الاحتكار النووي" ص 77، حيث أفرزت عن طبقية نووية قسمت العالم الى "براهمة نوويين" كالقوى العظمى و"منبوذين نوويين" كالأفارقة أو الاسيويين. ورغم إدراك البراهمة لخطر السلاح النووي إلا أنهم ينظرون اليها من منظار أنها "الأسلحة الخطأ في المكان المناسب" وهي حالةٌ أفضل من كابوس "الأسلحة الخطأ في الأيادي الخطأ" في حال وقعت في يد العرب أو الأفارقة.

 

العالمية الثنائية للحضارة الغربية: الاستعلاء الإثني في فكرة التقدم وفي العلوم الإجتماعية الغربية:

 

أما في مقالهِ الرابع، فتجد المزروعي يطرحُ رؤيةً نقديةً للفكر الغائي الغربي واليهودي-المسيحي ويرصدُ التأثير المتبادل بين الإستعلاء الإثني الغربي والعالمية الثنائية للحضارة الغربية في موضوعي التقدم  والتنمية، حيث أن الثقافة الغربية العالمويّة كانت من أسباب استعلائها الإثني، وفي حين تحدث اليهود عن إلهٍ جعلهم شعباً مختاراً، تحدث الغرب عن عالمية العلم، وصيروا الرجل الغربي الأبيض السلالةَ المختارة، ولئن ارتكز استعلاءُ اليهود على معتقدٍ ديني فقد ارتكز الاستعلاء الغربي على العرق. ويرتكز هذا الاستعلاء منبعٍ علمي وهو الميراث الإغريقي- الروماني ومنبعٍ أخلاقي وهو الميراث اليهودي-المسيحي، لتُدَشَنَ على إثرها "مرحلةٌ جديدةٌ من الإمبراطورية المسيحية المكرسة لخدمة الإمبريالية" ص 85 وقد مرت هذه المزاوجة بأربعة مراحل افتتحَ بطرس الرسول مرحلتها الأولى بنقل مفهوم الشعب المختار للمسيحين وقوّاها الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول في المرحلة الثانية باعتناقه المسيحية، ورسخها الاستيطان الأوربي في المرحلة الثالثة في الأمريكيتين، وكانت عولمتها في المرحلة الرابعة على يد الإمبريالية الأوربية الحديثة في إفريقيا وآسيا.  

 

وقد انعكست هذه الثنائية العالمية الناتجةُ من هذا التزواج على الدراسات الأكاديمية، فقد انعكست دراسات داروين في كتابهِ "أصلُ الأنواع" على "دراسة الأحياء ودراسة العلوم الإجتماعية" ص 88 باستحداث "نظرية الانتخاب الطبيعي" والتي عملت على تفسير تفاوت القدرات البشرية كنتيجةٍ للتفاوتات البيولوجية بين الأعراق، وهنا أخذت فكرةُ التقدم تتبلور فالتقسيمات التراتبية لم تكتفي بالتصنيف في إطار الحيوانات فقط، بل إمتدت لتشمل حتى البشر، "وما ساعدت الداروينية في صقلهِ الى شكلٍ نظري محدد كان عنصر الحركة في هذه العملية، أي الفكرة القائلة بامكانية تحرك الناس المتخلفين إلى طورٍ أعلى وتحرك المتقدمين أعلى فأعلى" ص 89 لتفضي الى سيادة العرق الأبيض وزعامته في "سيرورة التغيير التاريخي" ويمكن تتبع هذا الطرح في كتابات البروفيسور ريجيوس وجون ستورت مل وإدوارد سهلس وهيغل ورونلد بينوك وغيرهم.

 

وقد تطورت هذه النظرة لاحقاً الى رؤية "التأخر البشري" من زاوية ثقافية بدلاً من أن يكون ناشئاً من أسبابٍ بيولوجية. ولكن هذه النظرةُ للأسف بقيت مُستعليةً إثنياً فتجد مثلاً أن ويليم كريج يرى "إفتقار الأفارقة لأي نوعٍ من إمكانات الأصالة أو الإبداع الفكري بيد أنهم يتحلون ... بنبوغٍ هائلٍ في التقليد" ص97 وقد شرعنت هذه الرؤية ممارساتٍ إستعمارية كمحاولة فَرْسَنَةِ الأفارقة. كما انعكس مفهومُ العالميةِ أيضاً في النظر الى التنبوء والذي تأرجح بين كونهِ تصديقاً للحاضر استناداً للماضي وبين توقع المستقبل استناداً للحاضر. ويمكن القول أن "الثابت في هذه النظريات كان النزعةُ الغائية" ص 112.       

   

 

الأحد، 8 فبراير، 2015

صعق اللباب وما بفقدك سلما !!

مهداةٌ الى روح الصديق الغالي أبي غيث الدكتور محمد عبدعون (رحمه الله) بقلم أبي كرار علي بن سلمان العجمي
صُعق اللبابُ وما بفقــــــــدكَ سلَّـــما
وغدا فصيـــــحُ القـــــــولِ فيكَ مُتَمْتِمــَاً
وَبَدى اللســـانُ كَعقــــــــدةٍ مربوطةً
كيـفَ البيـــانُ و(غيثُنا)[1]فقدَ السمـا؟
رزءٌ به التهـــبَ الفـــــــــــــــؤادُ حــــــــرارةً
فكـــــأنهُم وضعــــــــوا بقــــــــــلبي ميسمــا
تُـــوري حَرارتُهُ معـَـــــــــالمَ مُهــــــجتي
فـــــــأرى به أُفـــــــقَ الظهيــــــرةِ مظلمــا
وأرى الـــــــــدمـاءَ بداخــــــــــلي فـــــوارةً
فكــــــــأنـــــــهـــا فـــــارتْ لتنصـــــبَ مأَتمــا
تبيكيك يا زين الرجـــــــــالِ بحــــرقةٍ
لو لامست حجـــــــراً لضــــــــــــــجَّ تألمـــــــــاً
تَنعى حَبيباً قد طـــــــــوتهُ يــــــدُ الردى
وغــــدا الى سُــــــــكنى القبـــــــــــورِ مُيمما
تَنعى وقــــــاراً كـــــــــان يسكُنهُ التقى
وبشـــاشةً تُعــــــطي الصبـــــــــاحَ تبســـما
تنعى المعــــــــــــــــارفَ إن جـــرتْ ببيانهِ
فتخـــــــــــــــــالهُ وفــــــــــمُ المعــــــارفِ توأما
تَنعى اللســــــــان العــذب في رشحاتـــهِ
تُجْــلَى عَــــنْ العطشــــــــــانِ الآمَ الظــما
تَنعى اليدَ الخضــــــراءَ[2] أنى لامَســــتْ
أَرضــــــــــــــاً تَراهــــــا للنضــــــــارةِ مَعْلَــما
ولذاك قد دفنــوكِ في جــــــــوف الثرى
كي تستطيـــــــلَ كنبـــتـــةٍ متعاظمـــا
فأكشف لنا صدر الحقيقةِ مُفْصِحاً
هـــــــل أودعوكَ التُربَ أمْ عالي السما؟
 
حصل الفراغُ لكتابتها في يوم الأربعاء 21 يناير 2015م



[1] غيث هنا اشارة الى الصورة الحقيقية (الولدُ البكر للدكتور محمد عبدعون رحمهُ الله) والصورة المجازيه.
[2] اشارة الى هوس الدكتور رحمهُ الله الشديد بالتشجير.

الخميس، 27 مارس، 2014

متلازمة تل أبيب 
                  بقلم أبي كرار العجمي 


هنالك مثل عربي يقول:"يرى القذى في عين غيره، ولا يرى الخشبة في عينه" وهو مثل يجري على كل من يتجاهل كبائر ما يرتكبه من أخطاء، وينشغل بتتبع زلات وقد لا تكون زلات حتى بل (سوء فهم) لتصرفات الأخرين.

في حرب تموز2006 م، أقدمت المقاومة الاسلاميه في لبنان على أسر جنود صهاينه كانوا في الحدود اللبنانيه، فانتفخت اوداج اسرائيل لعملية الأسر وأخذت تتباكى على (تعدي حزب الله السافر وانتهاكه للاعراف الدوليه) في حين أن الصهاينه لو تأملوا فيما حصل لرأوى أنهم هم (المعتدون والمحتلون والمفسدون والمنتهكون للاعراف والقيم)، ولكنهم (يرون القذى في عين غيرهم ولا يرون الخشبة في أعينهم).

يحلوا لي تسمية هذه الظاهرة (بمتلازمة تل أبيب) والتي توجد مصاديقها في الشؤون السياسيه والدينية والاجتماعيه والاخلاقيه والتربويه. ويعمد أصحاب هذا الاتجاه الى (التهويل المصحوب بالعاطفه والتشدق بالمبادئ والقيم)، ولكنهم يسقطون مع أبسط أبجديات المنطق، ويترائى لك كفرهم بما يتشدون به، وكي يحافظوا على تغريرهم لأنفسم، فانهم يكونون حاشية من (المنفذين) لا (المفكرين أو المتنورين) كي لا يكفر يوما بصنميتهم. كما أنهم يعمدون لسوق (تبريرات وتباكيات) دينية وقيمية واجتماعيه ولكن الواقع يكشف زيف ما يتغنون به من مبادئ وقيم ومبادئ لأنهم أكبر من ينتهكها فترى تبريراتهم تسقط في (أول جولة منطقيه).

لا يكمن الخطأ برأيي في وجود هؤلاء لأن السنن التاريخية تقضي بوجود أصحاب أهواء ومصالح يوضفون قدراتهم العاليه في الالتواء وتعدد الوجوه، ولكن (الخطأ) يكمن في المحيط الذي يجاري هؤلاء ويتهاون معهم، ويحكم الصمت أمام هذه (الظواهر النمروديه)، فلو حمل كل فرد على عاتقه تكسير ما يستطيع من هذه الظاهرة الصنمية، (بايمان ابراهيمي) لتلاشت هذه الظواهر من مجتمعاتنا. و(لئن عجز بعضنا عن حمل الفأس الابراهيمي وتكسير الأصنام فلا أقل من نصرة النهج الابراهيمي ولو لسانيا كحد أدنى).


27 مارس 2014 م





يا قلب معرسنا
 بقلم أبي كرار علي بن سلمان العجمي

قصيده بمناسبة زواج الأخ الاستاذ أحمد علي العجمي (الكنجي) :


يـــــــــا قلـــــــبَ مُعرسنا كفـــاكَ تغربـــــــاً *** بين العيون وثغـــــــــــر وافــــــــــــرةِ الصبــا
وارحـــــم عريســـــــــاً قد تهــــــــاوى جنبهُ  *** مذ أن غدا تحت لصبـــــــــــــــايا ملعــــــــــباً
فكــــــــــــــــأنهُ حين استبــــــــــــــدّ به الهوى  *** بــــــــــدرٌ بـأنسجــــــــةِ الظـــــــــــــلامِ منقباً
قـــــد صـــــــارَ مغــــــــربهُ يُيَــــــممُ مشرقاً  *** وأرى بـــــــــــــــهِ شرقــــاًً ييـــــــــــــممُ مغربـــا
وأراهُ في ليـــــــــــــــــلٍٍ تجـــــــافى جنبــــــــهُ  *** كيف الرقـــــــــادُ وقــــــــلبـــــــــهُ قد غيبا؟!!
 وأراهُ في أُُنـــــــــــــــــــسٍٍ يُـــــــكلِّــــــــــمُ نفسهُ *** لا تعجــبوا ان كــــــان يومــــــــاًً مسهــــــباً!
وروى الـــــــــــــرواةُُ غــــــــــرائبــاً وعجائبـــاً *** لو أحكـــها تجــــــــــدُ الجبــــــــينَ مقطِّــــــبا
وكفـــــــــــاكَ مني أن أقـــــــــــولَ ملخصاًً *** شـــــــــــــــــرُّ المثالـــــــبِ أن تجـــــــالس أعزبا
لكنـــــــهُ زمـــــــــــــنٌ تَصَـــــــــــــــرَّمَ ذِكْــــرهُ ***  وأتـــــــى زمـــــــــــــانٌ بـــــــالسعادةِ مطــــرباً
في ليلــــــــــةٍ قــــــد أُطـــــربت لحظـــــــاتها *** حتى الــــــــــــذي بتنســــــــــــكٍ قــــــــــد لُُقِّبا
فكـــــــــأن بهجـــــــةَ (أحمـــدٍ) قد أصبحت *** نُسكــــاً بـــهِ العبــــــــــدُ المطيــــــــعُ تقــــــــرَّبا
وكأن ترتيــــــــــــلَ التهاني قد غــــــــــــــدا *** وِرداًً بــــــــــــــــهِ تجـــــــــــدُ المصلي عَقَّــــــــبا
وكـــــــــــأنّ وجنتهُ ضريــــــــــحٌ شامـــــــخٌ *** فتــــراهُ بالتقبيلِ صـــــــــــارَ مُـــــــصـــــــوبا
واليهِ أفئدةُ الخــــــــــــــــــلائقِ رفــــــرفت *** فكـــــــــــــــأنهُ حــــــرمٌ لنا قـــــــــد نُصِّــــــــبا
بشراكمُ يــــــــا (آل كنجٍٍ) عُـــــــــرسكم  *** بشرى تـُــــــزفُ مــــــــــع التهاني موكباً
عُــــــــــرسٌ وان قد جـــــــــــــائنا  متأخـــــراً ***  فالبــــدرُ بدد في الظـــــــــــــــــــلامِِ الغيهبا
واليومَ (يُخرجُ) خير لحـــــــظات الــــدنى *** في مشهدٍ بالنــــــــــــورِ صـــــــــار مذهبـــــاً 

الاثنين، 9 يناير، 2012

(فاطمة) اسمٌ اسلامي بامتياز : مناقشة تاريخية




(فاطمة) اسمٌ اسلامي بامتياز : مناقشة تاريخية *

ابو كرار العجمي

alian2020@hotmail.com

"...واخر قد تسمى عالماً وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل منضُلاّل ، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على ارائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمن من العظائم ، ويهون كبير الجرائم ، يقول :أقف عند الشبهات ، وفيها وقع ، ويقول : أعتزل البدع، وبينها اضطجع ..."

الامام علي بن ابي طالب عليه السلام

ان من المؤسف أن يدعي البعض الاهليه العلميه فيتصدى لمناقشات روائيه وعقائديه وتاريخيه، ويوشحها بمفاهيم ومناقشات ظاهرها العلميه وباطنها الجهل. هذه الظاهره هي درجةٌ من درجات الجهل، يوصفها الامام علي عليه السلام بالهروب من الشبهه للوقوع فيها واعتزالٌ من البدعه للاضطجاع فيها. أقدم هذه المقدمه مستحضراً مقالاً كتبه "الشيخ" عباس دهيني بعنوان (فاطمه اسمٌ جاهلي بامتياز) ويمكن قرائته على هذا الرابط:

http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=501

ملخص التحقيق:

تتمحور المناقشة التاريخيه للكاتب في موضوعه (فاطمه اسمٌ جاهلي بامتياز) حول نقطتين:

الاولى: جاهلية اسم فاطمه: "أنّ اسم فاطمة كان شائعاً في عصر الجاهليّة. فهو اسم جاهليّ".

الثانيه: عدم وجود رابط بين اسم فاطمه والاشتقاق من الاسم الالهي (الفاطر) حيث ذهب الكاتب الى القول "أنّ الله هو «فاطر السماوات والأرض» وهذه فاطمة فأيُّ معنىً لغويّ مشترك بين جذر «فَطَرَ» وجذر «فَطَمَ»؟!"

المناقشة:

لقد وقع الكاتب في كثير من الاشتباهات الغير علميه، وخلص الى نتيجةٍ مغلوطةٍ لأن مقدماته كانت مقدمات مغلوطه، وعليه سنتناول الرد في المناقشات التاليه وسنوضح مواضع اللبس والخلل في ما ذهب اليه وسنستعرض جملةٌ من النصوص التي تتناول اسم فاطمه وتطرحه بهويته الالهيه لا الجاهليه كما اشتبه الكاتب.

المناقشة الاولى: هل اسم (فاطمه) جاهلي؟

هنالك فرقٌ بين المعاصره والتواجد في العصر الجاهلي وبين أن يكون الاسم جاهلياً، فالاخير يحمل سمات العصر الجاهلي، أما التواجد والمعاصره فليسا علةً لكونه جاهلياً، وهنا سنسف استدلال الكاتب من نطق شفاه، فالكاتب يذهب الى أن (التتبُّع في تاريخ العرب ما قبل الإسلام وجدنا أن الأسماء الأربعة الأولى لم يكن لها أيّ ذكر على الإطلاق آنذاك، ولم تكن معروفة عند عرب الجاهليّة) ولكنه لا يقول انها جاهليه، فاسم (محمد) على سبيل المثال سمي به النبي الخاتم صلى الله عليه واله وسلم ما يعني أنه وجد في العصر الجاهلي (1) وقبل ظهور الرساله المحمديه، ولكن لأنه لا يحمل سيماء الجاهليه فانه لم يطلق عليه هذا الاسم. وعند اسقاط هذا المعنى على اسم فاطمه فان الاسم لا يحمل اي علامات جاهليه، فلا يصح نسبته الى العصر الجاهلي. وللتوضيح أكثر نقول، كما انه ليس كل من عاصر العصر الاموي هو أموي فكذلك ليس كل من عاصر العصر الجاهلي هو جاهلي!

المناقشة الثانيه: فاطمه اسمٌ اسلامي حنيفي:

للتدليل على ان اسم فاطمه اسمٌ جاهلي، قام الكاتب بالاستدلال بوجود هذا الاسم لدى كل من فاطمه بنت أسد وفاطمه بنت حزام (أم البنين)، ورغم ان الاخيره لا يمكن الاستدلال بها لولادتها في العصر الاسلامي (2)، ولكننا على الاقل نذهب الى أن الاستدلال بفاطمة بنت أسد – ام النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد أمه- و فاطمة بنت الحمزه وغيرها من فواطم بني هاشم هو في محله. لكن الظاهر جلياً أن هذه الفواطم ترتبط باسرة ابراهيمية موحده تقلبت في الساجدين (وتقلبك في الساجدين)، وهو من سمى المسلمين بالمسلمين (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ) الحج 78، ولا يبعد أن تكون هذه الاسماء النورانيه في طيات بيوت الانبياء عليهم السلام – كحال اسم محمد الذي بشرت به الديانات السابقه – اثر على اثرها اتباع هذه السلاله النورانيه الا أن يتسموا بها ويتداولوها، وعليه فاسم فاطمه هو اسمٌ حنيفي ابراهيمي "اسلامي". وقد يثار اشكالٌ آخر حول وجود من تسمت بهذه الاسماء من خارج بني هاشم ونقول في مقام الجواب أنه لا يبعد تأثر ابائهن بمن سمى به من نسل ابراهيم الخليل عليه السلام، خصوصاً وان شأن بني هاشم كان من التأثير بحيث أنهم كانوا محل قدوه.

المناقشة الثالثه: قيمة الاسم:

قد يوجد مسمىً ما في ضرفٍ زمني معين، بمعنى ومفهومٍ معين ولكن يحصل أن يكتسب الاسمُ معنىً آخر غير سابقه، فتضافُ قيمةً جديده للاسم. فمثلاً، كلمة حيدر تطلق على الاسد ولكنها اكتسبت معنىً اسلامياً خاصاً بعد تسمي الامام علي عليه السلام به. ونجد هذه الخصوصية في اسم فاطمه – كما سيرد لاحقاً- حيث أنها بابي هي وامي، سميت بفاطمه لخصوصيات معينه، فبذلك اكتسب اسمها المبارك قدسيةً غير تلك التي كان يعرف بها من قبل. بل ان اسمها - كما تشير الرواية الوارده في كتاب الكافي الشريف – هو نطق الوحي الشريف على لسان النبي صلى الله عليه واله وسلم، فعن صالح بن عقبة عن يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر ع قال : لما ولدت فاطمة ع أوحى الله إلى ملك فأنطلق به لسان محمد صلى الله عليه وآله فسماها فاطمة ثم قال : إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث ثم قال أبو جعفر ع : والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث في الميثاق" (3). فكيف يجوز أن يكون النطق به وحياً سماوياً ولا يكون الاسم الهيا؟

المناقشة الرابعه: نوع الاشتقاق

ان اشكال الكاتب على عدم وجود رابط بين (فاطمه) و (فاطر) أو (فطم) و (فطر) غير تام، لأنه حصر الاشتقاق بقسمٍ واحدٍ فقط وتغافل عن بقية الاقسام ، في حين أن الاشتقاق في اللغة العربيه على أنواع، وللتوضيح نسوق الانواع الاقسام التاليه مع أمثلةٍ عليها:

أ‌) نوعٌ يشتمل فيه كلا من المشتق والمشتق منه على ذات مصدر الكلمه، كاشتقاق (رؤيه) من (رأى) أو (كتابه) من (كتب). (4) ورغم ان هذا النوع هو الأكثر شيوعاً الا أنه ليس الوحيد.

ب‌)نوعٌ يشتمل على ذات الحروف ولكن مع اختلافٍ في الترتيب، ومثاله (قوس) و(سوق).

ج) نوعٌ لا يشتمل على كل حروف الأصل ولكن أغلبها موجود ومثالها (قصم) و(فصم) و(فطم) و(فطر) وهذا ما أغفله الكاتب واوقعه في هذا الاشتباه.

وهنالك مناقشة قيمه للشيخ محمد باقر الكجوري في كتابه الخصائص الفاطميه (5) يعالج الاشكال حول تغاير المشتق والمشتق منه يناقش فيه الاشتقاق من جهتيه اللفظي والمعنوي حيث يقول :

" ... غير أن المشتق والمشتق منه (فاطر وفاطمة) متغايران حرفا ولفظا في الصيغتين، فكيف يصح الإشتقاق؟
الجواب: يوجد في المقام ثلاث وجوه محتملة:
الوجه الأول:
قال علماء النحو والصرف في باب الإشتقاق والقلب والتبديل: يجوز تبديل حرف بحرف في اسم ما لمناسبة ما، وهو نوع شائع من الإشتقاق، مثل نعق ونهق، أمليت وأمللت، ومثل اشتقاق طبيب من طيب، وبكه من بكاء، وشيعه من الشعاع، بل قد يحذف حرف من المشتق منه بواسطة النقل.
فيقال فيما نحن فيه: إن لفظ فاطمة مؤلف من خمس حروف، وفاطر من أربع حروف، وثلاثي فاطمة فطم، وثلاثي فاطر فطر، فأبدلت الراء بالميم وحذف منه حرف، وحروف كلا الإسمين متقاربة، فالله فاطم وفاطر، ويشهد له الحديث المذكور وقوله تعالى (يتفطرن) و (فاطر السماوات) و (إذا السماءانفطرت) من فطر إذا انشق وانفتق، والله سبحانه فاتق السماوات والأرضين. أو الفاطر بمعنى الخالق، كقوله (عليه السلام): فطرهم على المعرفة أي خلقهم. قال ابن عباس: ما كنت أدري «فاطر السماوات والأرض» حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما «أنا فطرتها» أي ابتدأت حفرها فعرفت معنى الفاطر. فالفاطم والفاطر معناهما متقارب، أي القاطع والشاق والفاتق، ولذا قال الله في الحديث المذكور «وفاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يعيرهم ويشينهم». والخلاصة: إن في الإسمين المقدسين قلب وتبديل، وهو شائع ومعروف عند أساتذة هذا الفن.

الوجه الثاني:
إن الإشتقاق في الإسمين حسب المعنى لا اللفظ، والاشتقاق المعنوي من وجوه الإشتقاق، بل ذهب بعض إلى ترجيحه، وفي الحديث: إن الله خلق السماوات والأرض من نور فاطمة; ويشهد له ما في الحديث المذكور «وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض»، ثم سمى نفسه في الفقرة التالية «فاطم»، وكأن المعنيان متحدان، وهما صيغتان لمعنى واحد. وحينئذ يكون الإشتقاق صحيحا.
وإنما سمى الله نفسه «فاطر السماوات والأرضين» لأنه فطرهما من نور فاطمة، ولا شك أن ظهور قدرته الكاملة كان بواسطة وجود فاطمة، فاقتضى أن يشتق لها اسما من اسمه هذا. فبناء على رأي أصحاب هذا المسلك، لا اعتبار بالحروف الأصلية والأصول المادية والهيئآت اللفظية المركبة، لأن اللفظ قالب المعنى. ورجحان قولهم من هذا الوجه واضح بين.

الوجه الثالث:
لو دقق أهل الأخبار في قوله (عليه السلام) من: «أن الله شق اسم فاطمة من اسمه» على الإطلاق وفي بعضها «من أسمائه»، لاتضح أن الإشتقاق من مطلق الاسم أو الأسماء، وتخصيص الفاطر بالذكر لإظهار القدرة والعظمة، أي إني أنا فاطر السماوات والأرضين وقد اشتققت لفاطمة اسما من أسمائي، وإنما ذكر فاطمة والفاطر في القدسي وغيره للتشابه الصوري وتقارب الحروف والألفاظ.
وهذا الوجه لا يخلو من ملاحة، والتعبير عن الإسمين بهذا الطرز المليح والطور الفصيح فيه حلاوة، خاصة وإن كان الحديث «وشق لك إسما من أسمائه» ظاهرا في «الفاطر» لا مطلق الاسم أو الأسماء الأخرى غير الفاطر . ولعل ما سأذكره الآن يوافق الواقع ويلقى قبول السامع، فأقول: كما أن لفظ الجلالة «الله» جامع لكافة أسماء الله وصفاته وكمالاته، فإن أسماء تمام المسميات وأسماء الله مشتقة بنحو العموم من اسم الفاطر، وكأن هذا الاسم «رب النوع» للأسماء من حيث الإنشقاق والانفطار، ومنه اشتق اسم فاطمة ومعناه، فكل المسميات والحقائق السماوية العلوية والأرضين السفلية اشتقت وفتقت ورتقت وظهرت باسمه، ومن الأسماء الظاهرة اسم فاطمة الطاهرة. فكما أن الله تعالى خالق الإصباح وفالق الحب والنوى، فهو أيضا فاطر السماوات وفاطر الأسماء، وكما أنه تعالى عن الخلق فردا أحدا لا ند له ولا عديل في ألوهيته ذاتا وصفة وفعلا وإسما، فكذلك فاطمة في عبوديتها انقطعت عن الند والمثيل، وتفردت في العبودية عن نوع الممكنات وكافة البريات ذاتا وصفة وفعلا وإسما ورسما وحسبا ونسبا. واسمها المقدس جامع لأسمائها وصفاتها الأخرى، تماما كما قلنا في اسم الله تعالى.."

وفي ما ذكر فائدةٌ ترفع اللبس حول اشكال الجذر لكلمة فاطم وفاطر.

المناقشة الخامسه: علة اسم (فاطمه) في النصوص الروائيه:

استشكل الكاتب على الخطباء ايراد هذا الدعاء وتغافل عن كونه نصاً روائياً، فاشكالهُ يمتد على الروايه لا الخطباء. ومن هنا نقول لا يمكن للكاتب أن يغض النظر عن الكم الكبير من الروايات التي تناولت الدعاء الذي استنكره على لسان الخطباء، حول اصل التسميه، ومن هنا نفرد بعض الابواب التي تناولت منشأ اسم فاطمه:

ألف: اسم فاطمه مشتق من اسم فاطر:

عن ابن عباس قال: قال رسول الله لعلي بن أبي طالب " ع " لما خلق الله تعالى ذكره آدم ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته وأسكنه جنته وزوجه حواء أمته فوقع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمس سطور مكتوبات قال آدم يا رب ما هؤلاء؟ قال تعالى هؤلاء الذين إذا شفعوا بهم إلى خلقي شفعتهم فقال آدم يا رب بقدر هم عندك ما اسمهم؟ فقال أما الأول فأنا المحمود وهو محمد، والثاني فأنا العالي وهذا علي والثالث فأنا الفاطر وهذه فاطمة والرابع فأنا المحسن وهذا الحسن والخامس فأنا ذو الاحسان وهذا الحسين كل يحمد الله تعالى (6).

باء: سميت فاطمه لأن الله فاطم من أحبها من النار :

حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي ابن الحسين السكري قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا مخدج بن عمير الحنفي قال: حدثني بشر بن إبراهيم الأنصاري، عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه عن أبي هريرة قال: إنما سميت فاطمة فاطمة لان الله تعالى فطم من أحبها من النار (7).

جيم: سميت فاطمه لقطع الأطماع :

حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى قال: حدثنا محمد بن زياد مولى بني هاشم قال: حدثنا شيخ لنا ثقة يقال له نجية بن إسحاق الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن الحسن قال: قال لي أبو الحسن لم سميت فاطمة فاطمة، قلت: فرقا بينه وبين الأسماء قال إن ذلك لمن الأسماء ولكن الاسم الذي سميت به ان الله تبارك وتعالى علم ما كان قبل كونه فعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوج في الاحياء وانهم يطمعون في وراثة هذا الامر فيهم من قبله فلما ولدت فاطمة سماها الله تبارك وتعالى فاطمة لما اخرج منها وجعل في ولدها فقطعهم عما طمعوا، فبهذا سميت فاطمة، لأنها فطمت طمعهم. ومعنى فطمت: قطعت (8).

دال: سميت فاطمه لأن الله فطمها من الشر:

حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدثني الحسن بن عبد الله بن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله " ع " لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء، ثم قال: أتدري أي شئ تفسير فاطمة عليها السلام؟ قلت إخبرني يا سيدي قال: فطمت من الشر قال: ثم قال، لولا أن أمير المؤمنين " ع " تزوجها ما كان لها كفوا إلى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه (9).

هاء: سميت فاطمه لأنها فطمت بالعلم:

حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رحمه الله قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين، عن محمد بن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر " ع " قال: لما ولدت فاطمة عليها السلام أوحى الله عز وجل إلى ملك فانطق به لسان محمد فسماها فاطمة ثم قال أنى فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطمث ثم قال أبو جعفر " ع ": والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق (10).

واو: سميت فاطمه لأنها فطمت وشيعتها من النار:

حدثنا محمد بن الحسن رحمه الله قال: حدثنا أحمد بن علوية الأصبهاني عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن جندل بن والق قال: حدثنا محمد بن عمر البصري عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا فاطمة أتدرين لم سميت فاطمة؟ فقال علي " ع " يا رسول الله لم سميت؟ قال: لأنها فطمت هي وشيعتها من النار (11).

وبعد هذا كله، يأتي البعض لينفي وجود خصوصيةٍ لاسم فاطمه عليها السلام!!!

الخاتمه:

بعد استعراض هذه المناقشات، يبدو جلياً ان استشكال الكاتب على الدعاء ينبي عن جهلٍ بوجوده في النصوص الروائيه المشهوره. وقد اتضح من خلال النصوص الروائيه القيمة الالهيه والقدسية الخاصه لاسم فاطمه عليها السلام، وما نعته بالجهل اتضح انه نتاجُ جهله، فاستقبح الجميل وجمل القبيح، وعثر في الاشتباهات، ووطأ بأخمصه الشبهات. والحال أن بعض النصوص تؤكد على أن اسماء اهل البيت عليهم السلام الهية المنشأ بشكل صريح، فاضافة الى ما ذكر في المناقشات، نسوق ما ورد في فرائد السمطين حيث جاء في الحديث القدسي (هؤلاء خمسة شققت لهم أسماءا من أسمائي, لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس والجن, فأنا المحمود وهذا محمد, وأنا العالي وهذا علي, وأنا الفاطر وهذه فاطمة, وأنا الإحسان وهذا الحسن, وأنا المحسن وهذا الحسين) (12). فهل ينفع بعد هذا كله أن تغمض العين ويدعى العمى؟

المصادر:

(1) يذهب ابن دريد في كتابه الاشتقاق صفحة 2 الى وجود اسم محمد في الجاهلية حيث يقول: "وقد سمَّت العربُ في الجاهلية رجالاً من أبنائها محمداً، منهم محمدّ ابن حُمْرانَ الجعفي الشاعر، وكان في عصر امرئ القيس بن حُجْر، وسمّاه شويعراً وقال:
أبلغَا عنِّيَ الشُّويعِرَ أنِّي ... عَمْدَ عينٍ جلَّلتُهنَّ حَرِيما
أي قصدتُ ذاك. ومحمّد بن بِلال بن أُحَيحة بن الجُلاح، وأحيحةُ كان زوجَ سَلمى بنت عمرو بن لبيد النَّجَّارية، فخَلَف عليها بعده هاشم بن عبد مناف، فولدَتْ له عبدَ المطَّلب بنَ هاشم، فهي جَدَة رسول الله عليه السلام، أمُّ جدِّه. ومحمّد بن سفيان بن مُجاشع بن دارم، ومحمَّد بن مَسْلَمة الأنصاري سمِّي في الجاهلية محمداً، وأبو محمَّد مسعودُ بن أوس بن أصْرَم بن زيد بن ثَعْلَبة، شَهِد بدراً. ومحمد بن خَوْلىّ، وخَولىّ: بطنٌ من هَمْدان."، وعلى فرض الثبوت، نقول بأن منشأ تلك التسميات هو خلاف منشأ التسمية التي من أجلها سمى عبدالمطلب رضي الله عنه النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم بدليل قوله عن سبب التسميه (أردت أن يُحمَد في السماء و الاَرض) السيره الحلبيه ج 1 ص 78 وندرة الاسم قرينةٌ عليه، وما قول عبدالمطلب وهو الابراهيمي الموحد الا للتدليل على الخصوصية الالهيه لاسم محمد.

http://islamport.com/w/lqh/Web/97/2.htm

(2) ليس هناك تاريخٌ محدد في المصادر التاريخيه حول سنة ولادة السيده الجليله ام البنين رضي الله تعالى عنها، ولكن الارجح أن ولادتها كانت بعد بعثة النبي صلى الله عليه واله وسلم وبعد هجرته المباركه، ذلك أن زواجها بالامير عليه السلام كان بعد شهادة الزهراء عليها السلام (11 هـ) وكانت الفتاة في تلك العصور تتزوج في عمرٍ باكر ما يعني انها ولدت ما بعد الهجرة، وهناك من المحققين من يذهب الى أن اسمها هو ام البنين لا فاطمه كالشيخ التستري في قاموس الرجال ج 12 ص 196 حيث يقول " ثم تسمية المصنف لها بفاطمة لم أدر إلى أي شئ استند، فلم يذكر الزبيري والطبري والإصبهاني والعمدة (٢) والمفيد لها اسما، بل ظاهرهم أن أم البنين اسمها".

(3) الكافي الشريف، للشيخ الكليني قدس الله سره، ج 1 ص 460 باب مولد الزهراء عليها السلام.

(4) أخطأ الكاتب حينما اعتبر أن هذا النوع من الاشتقاق هو الوحيد الجائز، في حين تغافل عن بقية الانواع.

(5) الخصائص الفاطميه للشيخ محمد باقر الكجوري (1255 – 1313 ) ترجمة سيد علي جلال اشرف ج 1 ص 310، انتشارات الشريف المرتضى.

(6) علل الشرائع للشيخ الصدوق – تحقيق السيد محمد باقر بحر العلوم ج 1 ص 134، باب ١١٦ - العلة التي من أجلها سمى الأكرمون على الله تعالى .

(7) علل الشرائع للشيخ الصدوق – تحقيق السيد محمد باقر بحر العلوم ج 1 ص 178، باب ١٤٢ - العلة التي من أجلها سميت فاطمة " ع " فاطمة .

(8) المصدر السابق.

(9) المصدر السابق، ص 135.

(10) المصدر السابق.

(11) المصدر السابق.

(12) فرائد السمطين للجويني الخراساني، ج 1 ص 37.


* المقاله نسخه معدله من مقال نشرته على موقع نصوص معاصره:

http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=589