الاثنين، 12 أكتوبر 2009

هل يحتاجُ (حسُّ الشاعر) الى (نقدِ الناقد) لفكَّ طلاسمه ..؟







هل يحتاجُ (حسُّ الشاعر) الى (نقدِ الناقد) لفكَّ طلاسمه ..؟

تسنى لي ليلة البارحه الحصول على (سَفرٍ) ثقافي باسم (مجلة دبي الثقافيه). والجميلُ في هذه المجله أنها تهدي كتاباً قيماً مع مع كل عددٍ من أعداد المجله، مما أغراني لاقتناء العددين الموجودين منها على رفِّ (اللولو هايبر ماركت). أُسمي المجلة (بالسفر) لما تحمله من كتب قيمه، فالكتاب الاول على سبيل المثال (محمود درويش .. حاله شعريه ) - وهو من تأليف الدكتور صلاح فضل- يحمل في طياته قراءه نقديه في شعر الشاعر الفلسطيني المعروف محمود درويش والذي توفي قبل عام (9 – 8- 2008 م ).

لا أخفيكم بأن نفسي (راودتني) في أكثر من مره لاقتناء دواوين هذه الشاعر الكبير ولكنَّي (استعصمتُ) ففي كل مرةٍ أتصفح فيها أشعاره، أجدُّ بها من الغموض والاشارات الرمزيه ما يصدني عنها خصوصاً وأن هذا الشاعر الكبير ينتمي الى مدرسةٍ ترميزية بامتياز تحوي من الاشارات ما يكفي (للتيهِ) في صحارى المعنى. ولا يمكن الخروج من (صحراء التيه) هذه الا ان كنتَ في حضرة الشاعر نفسه أو أن تستعين بناقدٍ كبير ليفك غموض المعنى، وقد أجاد ناصر عراق – مدير تحرير المجله- التوصيف في مقدمة هذا الكتاب النقدي حيثُ قال "لا يجرؤ أن يتصدى لابداع شاعرٍ كبير بوزن محمود درويش الا ناقدٌ كبير بحجم الدكتور صلاح فضل، فكتاب ومبدعو الدرجة الاولى في حاجةٍ ماسةٍ دوماًَ الى نقادر الدرجة الاولى حتى يتمكنوا من رصد وتحليل وتقييم تجربتهم الباذخه وانجازهم المتفرد".

ابان دراستي في استراليا، تعرفتُ الى صديق عماني لطيف ومهذب للغايه وهو حمد الغيثي، وقد اثارني في هذا الصديق الشاب "غرامهُ" بكتابات أمل دنقل - وهو شاعرٌ مصري ينتمي للاتجاهِ التجريدي- حيثُ كان يضعُ مقاطع من أشعار دنقل في مقدمة كتاباته التي يضعها في مدونته. وكنتُ أراها غامضةً جداً وعصيةً على الفهم وكانت سحبُ التساؤل تجولُ في مخيلتي لوجود جمهور يعشق هذا النوع من "الكتابات المشفره". شخصياً أميلُ الى الاتجاه القديم من الطرح الشعري الذي يتجرد من كثير من "تعقيدات" الحالات الشعريه المعاصره حتى وان كانت الاخيره كتابات شامخه ككتابات محمود درويش لا لكرهي لحالة الرمزيه بل لأن هذه الكتابات تحتاج الى جمهورٍ من العيار الثقيل لفك طلاسمها لدرجة أن المترجمين قد يجدون صعوبةً قصوى في ترجمة هذه القصائد الى لغات اخرى. وهذا ما اشار اليه الدكتور محمود شاهين – أكاديمي من الاردن- في مجلة العربي في العدد 611 حيثُ نقل عن حرص محمود درويش في أن تكون الترجمه لاشعاره دقيقه بقدر الامكان لدرجة أنه كان يطالع ترجمة قصائده قبل ان تصل لمراحلها النهائيه، بل ويغضب ان خرجت الترجمه في شكلها النهائي دون ان يطالعها. ومن الطريف انه قد هدد كاتبه بريطانيه ففي يومٍ من الايام بمققاضاتها لو اقدمت على ترجمة قصائده!

ولاطلعكم على مثال من كتابات محمود درويش "المشفره" ، اسوق الابيات التاليه :

" سجل!
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانيه
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟"


فمن يطالع هذه الابيات يجد حواراً غير تقليدي من الصعب التكهن بمدلولاته، وهنا يأتي دور الناقد لفك طلاسم الزمان والمكان وفك شفرات الرموز الموجوده في النص. يقول الدكتور صلاح فضل معقباً على هذه الابيات :

"... ونستحضر شكل الموقف لنتعرف على كثب على مدى انسجامه مع شكل التعبير. فالمتكلم – الشاعر عربي في دولة اسرائيل، يملي –فيما يبدوا- بياناته على الموظف المسؤول – القارئ-، ويخاطبه بلغة الامر، في متواليه تنتهي باستفهام، وبين الامر والاستفهام تأتي البيانات الاوليه المشكِّله للواقع الحسي الملموس بتطابق حرفي مدهش، بحيث تتحول افعال الكلام الى وقائع ذات قوام قانوني فعلي، وكثافه وجوديه محدده في مقابل تهويد الارض والشعب وطمس الهوية العربيه لفلسطين يأتي هذا الصوت ببرائته وصراحته دون تآمر ليقول للآخر المتسلط "سجل" ليصوب سجلاته ويصحح تاريخه...." ص 37 .

طبعاً من المهم أن اشير الى ان بعض القصائد لشعراء هذا الاتجاه الشعري قد لا تبدوا غامضه في مجملها كقصيدة محمود درويش التاليه:
"أحنُ إلى خبز أمي
وقهوةِ أمي
ولمسةِ أمي ..
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدر يومِ
أعشق عمري لأني
إذا متُّ أخجل من دمع أمي !"

ولكن تبقى الحاجه الى الناقد مهمه، لا لاستكشاف مواطن الضعف والقوة في القصيده فحسب، بل ليبعث الحياه اليها بعد أن ولدت، ويوجدُ معاني خفيه قد لا ينبئ ظاهر القصيدة بها. اضافةً الى هذا، فان الكتابات النقديه تبعث محاولات تصحيحيه في الادب نثراً كان أو شعراً لتكسبه متانةً وقوه، وتثير نظر الكاتب الى مواطن يجب عليه ان لا يغفل عنها.


هناك تعليق واحد:

علي محمد نصيب الفريد يقول...

ما في نقاش نحن بحاجة الى النقد على شان نتحسن

بس النقد اللي على اساس و يعني شي

ما نقد على كلام فاضي و وجهة نظر لا تعني شي

من دون النقد كيف ممكن نعرف ان ما نفعله ذو مستوى ممتاز و لا مقبول

الشاعر بحاجة الى النقاد على شان يحس من اسلوبه


تحياتي